فأبان أن الابتداء بالسلام فضيلة، فأما الرد ففرض، لما ذكرت، ولقول الله عز وجل: {هَلْ جَزَآءُ الإِحْسَانِ إِلاَّ الإِحْسَانُ} .
فإذا كان السلام إحساناً كان جزاؤه الرد كما ثبت.
وجاء في السلام، عن اليهود أنها قالت لرسول الله - صلى الله عليه وسلّم - ، وقد دخلوا عليه: السأم عليك، فسمعت ذلك عائشة رضي الله عنها فقالت: عليكم السامة واللعنة يا إخوان القردة والخنازير.
فقال لها رسول الله - صلى الله عليه وسلّم -: «مهلاً يا عائشة، متى رأيتني فحاشاً فقالت: ألم تسمع هذا، أنهم إذ دخلوا عليك، فقال: ألم تسمعي قلت: عليكم» .
فهذا من رفق النبي - صلى الله عليه وسلّم - وحسن خلقه واحتماله الأذى في ذات الله - عز وجل - بتوفيقه.
فإن سلم يهودي على مسلم فقال له: عليكم السلام أو عليكما السلام أو عليك، فلا شيء عليه إن عرف منه أنه أحسن السلام عليه، وإن لم يكن تحقق سلامه، فقد أساء إلى نفسه من وجهين: أحدهما مخالفة نبيه - صلى الله عليه وسلّم - ومفارقة أذنه، والأخذ بتركه، للاحتياط والنظر إلى نفسه، فإنه لا يدري أن الذي خاطبه كيف دعا، وبماذا دعا له.
وإنما أمرنا أن نقول لليهودي، إذا تحقق سلامه: عليكم السلام.
لأن لذلك وجهاً وهو أن يجزيه بأن يدعو له بالسلامة في ماله وصغار ولده، إن كان حربياً، أو بالسلامة له في نفسه من آفات الدنيا إن كان ذمياً.
وله أن يدعو له بالسلامة على معنى أن يؤمن فيسلم كما كتب الله تعالى للمؤمنين السلامة منه، ويكون قوله عليكم السلام، كقوله له هداك الله.
ولا ينبغي للمؤمن أن يبدأ كافراً بالتسليم عليه، لأن التسليم تحية، والتحية تعظيم.
ولا ينبغي للمسلم أن يعظم كافراً، فإنه بقدر ما يرفعه تعظيمه إياه يضع من نفسه إذ ليس من يعظمه مستحقاً للتعظيم.
وإذا دخل رجل على قوم، فكلمهم ولم يسلم عليهم، فإن وجدوا من إجابته بداً فينبغي لهم أن لا يجيبوه لأنه استخف بهم بأن منعهم حقهم من السلام الذي سن لهم أن يبدأهم به، فأقل ما يستحقه أن يستخفوا به بأن يمنعوه جواب كلامه.
وجاء عن النبي - صلى الله عليه وسلّم -: «من بدأ بالكلام قبل السلام فلا تجيبوه» وهذا يحتمل وجهين: لا تجيبوه عن كلامه الذي بدأ به.
والآخر لا تجيبوه عن سلامه الذي قدم الكلام عليه.
فيكون هذا إسقاطاً لفرض الرد إذا قدم على السلام كلام من غير جنسه.