هذه الآية الكريمة واضحة في بيان التعاون في الأسرة في المال وما توجبه النفقات، وكأن مال الأسرة شركة بينهم، وإنها شركة يفرضها التعاون، وسد حاجة المحتاج، بحيث يعطي الغني القادر من فضل ماله ما يسد حاجة الفقير العاجز، وكأنَّه يسد حاجة نفسه، وبذلك تكون القرابة والمودة هي الرابطة بين الناس لَا النظم التي تسلب الغني ملكيته، والنبي - صلى الله عليه وسلم - يقول:"لا يحل مال امرئٍ مسلم إلا بطيب نفسه"، ولا يطمع الفقير في مال لم يكسبه، فيكون أخذه إياه اغتصابا.
وهذه الآية تقرر أمرين، هما ما يؤخذ بسبب القرابة من نفقة، وما يكون إباحة من ذي مال كصديق، أو رجل فاضل أعطاه مفاتحه، وعلى ذلك نقول: إن الآية اشتملت على أمرين، أولهما: نفقة القريب، والثاني: الأخذ من مال قد أبيح
له. وشرط الأمرين أن يكون فقيرا عاجزا عن الكسب؛ ولذلك ابتدأت بذكر ما يومئ عن العجز، والفقر، وقد كان الأمر بالأخذ لَا جناح فيه ولا إثم إشارة إلى أن الإعطاء مودة ورحمة، وتبادل لها بين المعطي والآخذ، ونفي الجناح فيه إشارة إلى الاحتياج، بل الاضطرار.
قال تعالى: (لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الأَعْرَج حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ) ، أي ضيق أو إثم، وهذا فريق الفقراء العاجزين الذين يشترط فيهم مع الفقر العجز عن الكسب، ثم قال تعالى: (وَلا عَلَى أَنفسِكُمْ أَن تَأكُلُوا مِنْ بُيوتِكمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ) ولم يذكر في هذا العجز، بل ذكر مطلقا عن العجز، فهذا يدل على أن العجز ليس بشرط بالنسبة لأنفسكم، والجواب عن ذلك هو شرط بالنسبة للجميع، إلا من يعتبر ماله هو ماله كالأب وولده والأم وولدها، فقد قال عليه الصلاة والسلام:"أنت ومالك لأبيك"، (أَن تَاكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ) ذكر البيوت مضافة إلى من يأخذ النفقة، فيه إشارة إلى تشابه بيت طالب النفقة والمطلوب منه، فهما كبيت واحد بالنسبة للمستحق للنفقة، إذ هو كبيته لما بينهما من قرابة أوجبت هذا التعاون.