ويجاب عن هذه المعارضة بأن رتبة الأولاد بالنسبة إلى الآباء لا تنقص عن رتبة الآباء بالنسبة إلى الأولاد ، بل للآباء مزيد خصوصية في أموال الأولاد لحديث:"أنت ومالك لأبيك"، وحديث:"ولد الرجل من كسبه"، ثم قد ذكر الله سبحانه هاهنا بيوت الإخوة والأخوات ، بل بيوت الأعمام ، والعمات ، بل بيوت الأخوال ، والخالات ، فكيف ينفي سبحانه الحرج عن الأكل من بيوت هؤلاء ، ولا ينفيه عن بيوت الأولاد؟ وقد قيد بعض العلماء جواز الأكل من بيوت هؤلاء بالإذن منهم.
وقال آخرون: لا يشترط الإذن.
قيل: وهذا إذا كان الطعام مبذولاً ، فإن كان محرزاً دونهم لم يجز لهم أكله.
ثم قال سبحانه: {أَوْ مَا مَلَكْتُم مَّفَاتِحهُ} أي: البيوت التي تملكون التصرّف فيها بإذن أربابها ، وذلك كالوكلاء ، والعبيد ، والخزّان ، فإنهم يملكون التصرّف في بيوت من أذن لهم بدخول بيته ، وإعطائهم مفاتحه.
وقيل: المراد بها بيوت المماليك.
قرأ الجمهور {ملكتم} بفتح الميم ، وتخفيف اللام.
وقرأ سعيد بن جبير بضم الميم ، وكسر اللام مع تشديدها.
وقرأ أيضاً"مفاتيحه"بياء بين التاء ، والحاء.
وقرأ قتادة {مفاتحه} على الإفراد ، والمفاتح جمع مفتح ، والمفاتيح جمع مفتاح {أَوْ صَدِيقِكُمْ} أي: لا جناح عليكم أن تأكلوا من بيوت صديقكم ، وإن لم يكن بينكم وبينه قرابة ، فإن الصديق في الغالب يسمح لصديقه بذلك ، وتطيب به نفسه ، والصديق يطلق على الواحد والجمع ، ومنه قول جرير:
دعون الهوى ثم ارتمين قلوبنا... بأسهم أعداء وهنّ صديق
ومثله العدوّ والخليط والقطين والعشير ، ثم قال سبحانه: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَأْكُلُواْ} من بيوتكم {جَمِيعاً أَوْ أَشْتَاتاً} انتصاب {جميعاً} و {أشتاتاً} على الحال.