قوله: {بَعْضُكُمْ على بَعْضٍ} في"بعضُكم"ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها: أنه مبتدأٌ، و"على بعض"الخبرُ، فقدَّره أبو البقاء"يَطُوْفُ على بعض". وتكونُ هذه الجملةُ بدلاً مِمَّا قبلها. ويجوز أن تكونَ مؤكدةً مُبَيِّنة. يعني: أنها أفادَتْ إفادَةَ الجملةِ التي قبلها فكانَتْ بدلاً، أو مؤكِّدةَ. ورَدَّ الشيخ هذا: بأنه كونٌ مخصوصٌ فلا يجوزُ حَذْفُه. والجوابُ عنه: أن الممتنعَ الحذفِ إذا لم يَدُلَّ عليه دليلٌ وقُصِد إقامةُ الجارِّ والمجرورِ مُقامَه، وهنا عليه دليلٌ ولم يُقْصَدْ إقامةُ الجارِّ مُقامَه، ولذلك قال الزمخشري: " خبرُه"على بعض"، على معنى: طائف على بعض، وحُذِفَ لدلالةِ " طَوَّافون"عليه".
الثاني: أن يَرْتَفِعَ بدلاً مِنْ"طوَّافون"قاله ابن عطية. قال الشيخ:"ولا يَصِحُّ إنْ قُدِّر الضميرُ ضميرَ غَيْبةٍ لتقدير المبتدأ"هم"لأنَّه يصيرُ التقديرُ: هم يَطُوف بعضُكم على بعضٍ، وهو لا يَصِحُّ. فإنْ جَعَلْتَ التقدير: أنتم يَطُوف بعضُكم على بعضٍ، فيدفَعُه أنَّ قولَه"عليكم"يَدُلُّ على أنهم هم المَطُوفُ عليهم، و"أنتم طَوَّافون"يَدُلُّ على أنَّهم طائِفون فتعارضا".
قلت: نختار أنَّ التقديرَ: أنتم، ولا يلزَمُ محذورٌ. قوله:"فيدفعه إلى آخره"لا تعارُضَ فيه لأنَّ المعنى: كلٌّ منكم ومِنْ عبيدِكم طائفٌ على صاحبِه، وإن كان طوافُ أحدِ النوعين غيرَ طوافِ الآخَرِ؛ لأنَّ المرادَ الظهورُ على أحوالِ الشخصِ، ويكونُ"بعضُكم"بدلاً من"طَوَّافون"وقيل:"بعضُ"بدلٌ مِنْ"عليكم"بإعادة العاملِ فَأَبْدَلْتَ مرفوعاً مِنْ مرفوعٍ، ومجروراً من مجرور. ونظيرُه قولُ الشاعرِ:
3468 فلمَّا قَرَعْنا النَّبْعَ بالنَّبْعِ بعضَه ... ببعضٍ أبَتْ عِيدانُه أَنْ تكَسَّرا
ف"بعضُه"بدلُ من"النبعَ"المنصوب، و"ببعض"بدلٌ من المجرورِ بالباء.