فاستهجنوا منه أن يطالبهم بشئ يضبط تصرفاتهم، ويجعل لها معياراً غير أهوائهم وشهواتهم، ورفضوا الدين كله الذي جاء به شعيب عليه السلام من أجل ذلك.
كذلك استهجن مشركوا العرب دعوى البعث والنشور، والحساب والجزاء، كراهية لأن يحاسبوا، لا اعتمادا على (( منطق ) )حقيقي يبرر إنكارهم.
(( بل اتبع الذين ظلموا أهواءهم بغير علم ) ) (1) .
(( إن الذين يجادلون فِي آيات الله بغير سلطان أتاهم إن فِي صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه ) ) (2) .
(( قالوا سواء علينا أوعظت أم لم تكن من الواعظين(136) إن هذا إلا خلق الأولين (137) وما نحن بمعذبين )) (3) ... والسبب الأول فِي ذلك بطبيعة الحال هو انطماس البصيرة، والغفلة التي تعطل حواس الهداية:... (( لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون ) ) (4) .... (( وإنك لتدعوهم إلى صراط مستقيم(73) وإن الذين لا يؤمنون بالآخرة عن الصراط لناكبون )) (5) .... نعم .. ولكن القرآن - المعجز - ظل يعالج هذه القلوب المنكرة النافرة، حتى آمنت بالله، وآمنت بالبعث والنشور، وتعمق الإيمان فيها حتى صنع ما يشبه المعجزات!
جريان الأحداث ، سواء فِي الكون المادى أو فِي حياة البشر، من الأمور التي تروع الحس البشرى كما أشرنا آنفا، فيروح يبحث عن المحرك الذي يحرك الأحداث، كما يروح يتساءل عن دلالالتها: هل وراءها تدبير منظم. أم تحدث فوضى بلا نظام؟ وهل وراءها حكمة أم تحدث بلا حكمة ولا هدف؟!
والقرآن - المنزل من لدن خالق الفطرة، ومودع ما أودع فيها من نوازع واتجاهات ومنسربات عميقة - يلتقى مع الفطرة، فيحدثها حديثا مستفيضا عن حركة الأشياء وحركة الأحداث:
(1) سورة الروم: 29
(2) سورة غافر: 56
(3) سورة الشعراء: 136 - 138
(4) سورة الأعراف: 179
(5) سورة المؤمنون: 73 ، 74