فأنت فِي تلك النصوص كلها - وغيرها كثير - مع الفلك 0 ولكنك معها فِي كل مرة فِي مشهد مختلف، له فِي كل مرة تأثير فِي النفس مختلف 0 فأنت فِي الآية الأولى مع حقيقة من حقائق الألوهية وحقائق الوجود، وهي تسخير الله للفلك لتجرى فِي البحر بأمره 0 وهي من الحقائق الكثيرة التي يغفل الحس عنها حين يغفل عن الدلالات الكامنة فِي كل شيء فِي الوجود 0 فلو لا (( التسخير ) )من عند الله ما جرت الفلك فِي البحر مهما حاول البشر 0 فهم لا ينشئون شيئا من عند أنفسهم، لا المادة التي تصنع منها الفلك، ولا (( القوانين ) ) (أو فلنقل السنن الربانية) التي جعلها تجرى فِي البحر 0 ثم إنها فِي كل مرة تجرى (( بأمر الله ) )ولو لم يصدر الله لها الأمر ما جرت: (( إنا كل شيء خلقناه بقدر ) ) (1) .
وأنت فِي الآية الثانية مع سنة أخرى من سنن الله فِي الكون، وهي إجراء الريح التي تدفع الفلك فِي البحر فتجرى، وكان يمكن أن يجعل الله الريح ساكنة فلا تجرى الفلك 0 والإشارة بالطبع هي إلى الفلك الشراعية التي كانت تعتمد على الريح 0 ولقد يظن الإنسان فِي الجاهلية المعاصرة أنه قد تغلب على أمر الله، واستغنى عن الريح فلم يعد يعتمد عليها فِي تسيير السفن العملاقة التي تمخر العباب! ومثل هذا الإنسان - فِي جاهليته - يغفل عن أن تلك السفن تمخر العباب بسنة من سنن الله، علمها الله للإنسان، ولو لا أن الله علمها للإنسان، وسخر له الطاقة التي يعمل بها ما تم له شيء مما قام بعمله 0 ومع ذلك، فآلآية الثانية تدركه وهو فِي أوج انتفاخه وغروره وقوله كما قال قارون من قبل: (( إنما أوتيته على علم عندي ) ) (2) 0 فتقول له أن الله قادر - إذا شاء - أن يهلك تلك السفن عقابا لأهلها 00 وكم من سفينة جبارة ظن أهلها أنهم قادرون عليها، فأوبقها الله بقدرته 0 ليفيئ الإنسان من غروره، ويعلم أنه يعمل كل شيء بتسخير من الله، لا بعلمه الذاتى، ولا بقدرة ذاتية غير مستمدة من عند الله .
(1) سورة القمر: 49
(2) سورة القصص: 78