... ولكن الحس البشرى عرضة أن يتبلد على المنظر المكرور، والحدث المكرور، فلا تعود إيقاعات الكون تجد استجابتها الفطرية فِي النفس00... لا الكون بضخامته المعجزة، ودقته المعجزة، ولا ظاهرة الموت الحياة، ولا ظاهرة الحركة: حركة الأشياء والأحداث، ولا ظاهرة العجز البشرى، ولا ظاهرة العجز عن استكناه الغيب00... عندئذ يفقد الإنسان شفافيته التي خلقها الله فِي كيانه، ويفقد بالتالى سمته التي جعلته إنسانا، وميزته عن الحيوان، فيصبح من الذين جاء فيهم هذا الوصف القرآني:... (( لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون ) ) (1) .... فيأتى القرآن ليوقظ القلوب، ويفتح الأعين، ويزيل الوقر من الآذان، فتتفتح جميعا للإيقاعات التي يرسلها الكون إلى الحس0 فتحيا النفوس بعد موات، وتستيقظ بعد الغفلة00 وتتوجه إلى الله.
* * *... (( وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم(163) إن فِي خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجرى فِي البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون )) (2) .... لوحة عريضة واسعة حافلة بالحيوية والحركة، والإيحاءات والدلالات00... إنها مشاهد معروضة أمام الحس البشرى، ولكن الحس يتبلد أحيانا فيغفل عما فيها من الإيحاءات والدلالات، ويمر بها لا يكاد يعيرها اهتماما. ولكن القرآن يحي المشهد بأسلوبه الفريد، فينتفض حيا متحركا، فيلتقط الوجدان ما يرسله من الإشارات.
(1) سورة الأعراف: 179 .
(2) سورة البقرة: 163 ، 164 0