... والكون بدقته المعجزة يروع الحس البشرى كذلك. فهذا الكون ليس ضخما فقط، ولست صخامته التي تتجاوز كل تصور هي وحدها التي تروع الحس، ولكن يروعه كذلك أنه مع ضخامته تلك دقيق إلى درجة معجزة0... وتتبدى الدقة المعجزة فِي مجالات عدة. فانتظام دورة الفلك، وانتظام الليل والنهار، من دلائل تلك الدقة التي تروع الحس0... وتوزيع الكائنات الحية على سطح الأرض من دلائل الإعجاز0... وتصريف الرياح، وحركة السحاب 00... واختلاف الألوان فِي الكائنات، سواء الكائنات الحية أو الجوامد 00... بل يدق الأمر أحياناً حتى يتبدى الإعجاز فِي ريشة الطائر، ولون الزهرة، ورفرفة الطير، وسقسقة العصفور، فضلا عن أطوار الجنين، واختلاف طبائع البشر، واختلاف مشاعرهم ومشاغلهم وطرائق حياتهم00... دقة تروح الحس.. فيرد على الخاطر سؤال فطرى، لا يملك الإنسان دفعه: من وراء هذه الدقة المعجزة؟ من وراء هذا التنوع العجيب فِي الكائنات؟ من يدبر دقائق الكون ودقائق الحياة؟... ثم يهتدى الإنسان إن كتب له الهدى، فيعلم أنه الله، أو يضل فينسب الأمر إلى آلهة مزعومة، أو يغفل عن إيقاعات الكون غفلة تامة فكأنه فِي حسه غير موجود00... وظاهرة الموت والحياة مما يروع الحس البشرى00... يتوهم الطفل الصغير فِي مبدأ حياته أن الكائنات كلها حية، ويتعامل معها على هذا الأساس! حتى يكبر وعيه، فيعلم أن هناك جوامد وهناك كائنات حية، ثم يعلم أن الكائنات الحية تموت.. ويترك الموت فِي حسه أثرا لا يمحى، بل يزداد تعمقا مع الأيام.. فيرد على خاطره سؤال فطرى لا يملك دفعه: من وراء هذه الظاهرة الهائلة: ظاهرة الموت والحياة.. ثم يهتدى إن كتب له الهدى، أو يضل فيقول إنه الدهر أو غيره من قوى الوجود0