... فإذا فرغت من قراءة تلك الحقيقة الهائلة، واتضحت لك دلالتها، فاقرأ حقيقة أخرى، كفيلة بأن تملأ قلبك بالحب والود والتعظيم لذلك الإله الخالق.. إنه ربك الأكرم، الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم 0... حقيقة أخرى هائلة.. فالطفل يخرج إلى الحياة بلا علم ولا معرفة ولا إدراك.. ثم يتعلم .. كيف يتعلم؟ لو لم يكن الله قد أودع فيه القدرة على التعلم فهل كان يمكن أن يتعلم؟! إن القلم هو أداة التعليم .. نعم! ولكن ضع القلم عند كائن لم يوهب القدرة على التعلم، فهل يعلمه القلم، أم الذي يعلمه هو الذي خلقه، وخلق فيه القدرة على التعلم؟... أي إكرام من ربه الأكرم، الذي خلقه على هذا النحو، وفضله - بمزيته تلك - على كثير ممن خلق! ما الذي يجعل القلب البشرى يغفل عن تلك الدلالة الهائلة فلا يقرؤها؟!... إنه الران الذي يطمس البصيرة، ويحجب النور!... (( كلا إن الإنسان ليطغى(6) أن رآه استغنى )) (1) !... هذا الوهم الضخم الذي يحيط بالإنسان فيغفل وينسى 00... يغفل عن حقائق الكون والحياة، فينسى الخالق الذي خلق، الذي أوجد كل شيء بقدرته، بحوله وطوله، بقدرته وقوته، بعقله وعلمه، بفكره وإرادته، عن الله الذي خلقه فسواه فعدله، فِي أي صورة ما شاء ركبه 00... وحين ينسى فإنه يطغى 00... يطغى، فيتمرد على الخالق الذي خلقه، فلا يعبده حق عبادته، ويعبد سواه ويظن أنه حر يفعل ما يشاء.. يفعل ما يميليه عليه هواه.. فمنذا الذي يحاسبه على ما يفعل؟!... كلا!... (( إن إلى ربك الرجعى ) ) (2) !... ليس متروكا لهواه.. ليس متروكا يفعل ما يشاء بلا حساب ولا عقاب00... إنه راجع إلى ربه يحاسبه على ما جنت يداه 00... وتلك المعاني كلها كانت فِي تلك الإقراءة الأولى، التي افتتح بها الوحي الربانى، والتي غيرت القلوب، فجعلت البذرة تنمو نموها السوى، فتنبت الإيمان0.
(1) سورة العلق: 6،7
(2) سورة العلق: 8