... وتتوالى الآيات 00 تتوالى تعرف الناس بربهم، بما يعرفون وما لا يعرفون00... فأما ما يعرفون - كحقيقة أن الله هو الخالق، وهي الحقيقة الكبرى التي ركز عليها القرآن فِي تعريف الناس بربهم - فطريقة القرآن فيها، كما أشرنا فِي المثال السابق، هي إزالة الركام الذي طمرها فجعلها لا تؤدى مقتضاها الطبيعى، وهو عبادة الله وحده بلا شريك، واحياؤها فِي طريقة عرضها، وربطها بالقدرة الإلهية بالطريقة التي تهز الوجدان فينفعل بها، فيتفتح للإيمان بالله0... وأما ما لا يعرفون - أو ما ينكرون - كالبعث والنشور، والوحي والرسالة، فيضاف إلى معلوماتهم بالطريقة ذاتها التي تجعل الوجدان ينفعل فيتأثر، فيستجيب لداعى الإيمان0... وهنا يأتى دور الإعجاز البيانى، فيؤدى مهمته فِي هذا المجال0... فطريقة العرض أولا هي التي تحي المشاهد، فتزيل عنها ما يصيبها فِي نفوس الناس من تبلد الحس عليها بسبب الألفة الطويلة، فإذا هي السياق القرآني شيء أخر غير ما تبلد الحس عليه، جديد حى متحرك0... والتنويع كذلك يؤدى دوره. فالنفوس التي كانت منكرة أو كانت غافلة، كانت فِي حاجة إلى تكرار القضايا مرات ومرات حتى تزول الغفلة ويذوب الإنكار وتكرار الشيء ذاته بنفس الألفاظ ونفس الصورة يبعث السأم فِي النفوس. ولكن التنويع فِي العرض له من الجاذبية ما ينفى السآمة، بل يجدد الرغبة، ويجدد الانتباه، ويجدد التأثير. وهكذا، فالقرآن كما جاء فِي وصفه: (( لا تنقضى عجائبه، ولا يخلق من كثرة الرد ) )فهو متجدد أبدا فِي النفوس، يعرض الأمور فِي كل مرة كأنها جديدة تعرض لأول مرة0... وهذا الذي أشرنا إليه آنفا: أن الإعجاز البيانى فِي القرآن هدف مقصود فِي ذاته، وهو فِي الوقت ذاته وسيلة لأهداف أخر .
* * *... ويدخل القرآن إلى النفوس فِي قضايا العقيدة من كل منافذها وأقطارها، فلا يترك منفذا لا ينفذ منه، ولا يترك مدخلا لا يطرقه ليوصل العقيدة الصحيحة إلى القلوب0