في نفسها مع قطع النظر عن القارئ لأنها في أنفسها منفصلة بعضها عن بعض متفاوتة في
الطول والقصر والتوسط والفضل والشرف وثواب القراءة فالرتبة [حِينَئِذٍ] حسية ومتفاوتة أيضًا في
الشرف والفضل باعْتبَار اشتماله التوحيد والعرفان وبيان صفاته العلى كما ورد أن سورة
الْإخْلَاص تعدل ثلث الْقُرْآن، فلكل شرف وفضل بالنسبة إلَى غيره واشتماله الفصاحة
والبلاغة والإعجاز بعذوبة نظمه وجزالة معانيه، لكن لبعض منه شرف وفضل بأكثرية الثواب
على بعض منه بالاعتبار الْمَذْكُور فلا محذور، فعلى هذا الرتبة معنوية.
قوله: (وإن جعلت) أي وأو السُّورَة(مبدلة من الهمزة فمن السُّورَة التي هي البقية
والقطعة من الشيء)لسكونها وضم ما قبلها وهذا مجرد احتمال ذكره لتكثير [المزايا] وإلا
فمهما أمكن جعلها أصلية لا يصار إلَى غيرها إلا لتكثير الفوائد واللطائف. قوله فمن السُّورَة
التي هي البقية فحِينَئِذٍ يكون من قبيل نقل اسم العام إلَى فرد منه وكون السُّورَة الكريمة فردًا
منه محل فكر؛ إذ البقية اسم ينبئ عن قلة كمًّا، وحفارة كيفًا، وَأَيْضًا اسْتعْمَاله فيما فضل بعد
ذهاب الأكثر ولا ذهاب هنا لا تحقيقًا ولا تقديرًا باعْتبَار النظر إليها أنفسها لإيهام الذهاب
الانفصال التام وهنا ليس كَذَلكَ أَيْضًا ومعنى أكثر ذهاب الأكثر الفناء ففيه سوء إيهام فناء
الأكثر وبقي ما بقي فتركه خير من تعرضه، وأما تضعيفه من حيث اللَّفْظ بأنه لم يستعمل
مهموزة في السبعة ولا في الشاذة المنقولة في كتاب مَشْهُور وإن أشعر به كلام الأزهري
حيث قال وأكثر القراء عَلَى ترك الهمزة في لفظ السُّورَة فضعيف؛ لأن إبدال الواو من الهمزة
لما كان داخلًا تحت القاعدة فعدم وروده عَلَى الأصل لا يضر مثل قال وكان ولم يستعمل
بالواو مع أن أصله بالواو فيمكن أن يقال: فيما نحن فيه فليكن هذا مثل ذلك، والفرق بين
الوجوب والجواز لا يجدي نفعًا مع أن البعض. نقل عن الدر المصون أنها لغة تميم وغيرهم
يقولون سؤرة بالهمز.
قوله: (والْحكْمَة في تقطيع الْقُرْآن سورًا) وكذا الْحكْمَة في تقطيع الْإنْجيل وسائر
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * *
قوله: والْحكْمَة في تقطيع الْقُرْآن سورًا الخ. وفي الكَشَّاف فإن قلت: ما فَائدَة تفصيل الْقُرْآن
وتقطيعه سورًا؟ قلت ليس الفَائدَة في ذلك واحدة [ولأمرٍ ما] أنزل الله التَّوْرَاة والْإنْجيل والزبور وسائر
ما أوحاه إلَى أنبيائه عَلَى هذا المنهاح [مسوّرة] مترجمة السور. وبوَّب المصنفون في كل في كتبهم أبوابًا
موشحة الصدور بالتراجم ومن فوائده: أن الجنس إذا انطوت تحته أنواع واشتمل عَلَى أصناف كان
أحسن [وأنبل] وأفخم من أن يكون بيانا واحدا. ومنها أن القارئ إذا ختم سورة أو بابا من الْكتَاب ثم
أخذ في آخر كان أنشط له وأهز لعطفه، وأبعث عَلَى الدرس والتَحْصيل منه لو استمر عَلَى الْكتَاب
بطوله. ومثله المسافر، إذا علم أنه قطع ميلا، أو طوى فرسخا، أو انتهى إلَى رأس بريد: نفس ذلك منه
ونشطه للسير. ومن ثم جزأ [القرّاء] الْقُرْآن أسباعا وأجزاء وعشورا وأخماسا. ومنها أن الحافظ إذا حذق
السُّورَة اعتقد أنه أخذ من كتاب اللَّه طائفة مستقلة بنفسها لها فاتحة وخاتمة، فيعظم عنده ما حفظه، ويجل في نفسه ويغتبط به. [ومنه حديث أنس رضى اللَّه عنه: «كان الرجل إذا قرأ البقرة وآل عمران، جد فينا] [1] ومن ثمة كانت القراءة في الصلاة بسورة تامة أفضل. ومنها أنّ التَّفْصيل سبب تلاحق الأشكال والنظائر وملاءمة بعضها لبعض. وبذلك [تتلاحظ] الْمَعَاني [ويتجاوب] النظم، إلَى غير ذلك من الفوائد والمنافع.
[1] سقط في الْكتَاب المطبوع، تم جبره من الكَشَّاف للزمخشري. اهـ (مصحح نسخة الشاملة) .