خلق النسل عطفه بثم لما بيتهما من التراخي وحيث صار إلى التقدير الذي يتبع بعضه بعضا من غير تراخ عطفه بالفاء ، ولما انتهى إلى جعله ذكرا أو أنثى وهو آخر الخلق عطفه بثم ، ونحن نعلم أن الزمن الذي تصير فيه النطفة علقة طويل ولكن الحالتين متصلتان فأحيانا ينظر إلى طول الزمان فيعطف بثم وأحيانا ينظر إلى اتصال الحالين ثانيهما بأولهما من غير فاصل بينهما بغيرهما فيعطف بالفاء ، ومثل هذا تزوج محمد فولد له.
وشيء آخر ، وهو ان صيرورة التراب نطفة أمر مستبعد في ظاهر الحال ومثل ذلك صيرورة النطفة علقة لاختلاف إحداهما عن الأخرى اختلافا ظاهرا ولكن صيرورة العلقة مضغة لا غرابة فيه لتقاربهما فلهذا الوجه عطف في قوله تعالى"يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ"بثم ، وفي الآية التي نحن بصددها لوحظت أطوار الخلق وتباعد الأوقات بين كل طورين. وفي حاشية الشهاب الخفاجي على البيضاوي ما خلاصته:
اختلاف العواطف بالفاء وثم لتفاوت الاستحالات يعني ان بعضها مستبعد حصوله مما قبله وهو المعطوف بثم فجعل الاستبعاد عقلا أو رتبة بمنزلة التراخي والبعد الحسي لأن حصول النطفة من أجزاء ترابية غريب جدا وكذا جعل النطفة البيضاء ماء أحمر بخلاف جعل الدم لحما مشابها له في اللون والصورة وكذا تصليبها حتى تصير عظما لأنه قد يحصل ذلك بالمكث فيما يشاهد وكذا مد لحم المضغة عليه ليستره وذلك يقتضي عطف الجميع بثم إن نظر لآخر المدة وأولها ، ويقتضي العطف بالفاء ان نظر لآخرها فقط.
2 -تشبيه الرحم بالقرار:
في قوله تعالى"فِي قَرارٍ مَكِينٍ"استعارة تصريحية فقد حذف