بين يدي الروايات
وقبل أن أشرع في سَوق روايات القصة ، أرى أنه لا بد من أن نذكر كلمة ، تتميماً لفائدة الرسالة ، فأقول:
إن هذه القصة قد ذكرها المفسرون عند قوله تعالى: (ومآ أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلآ إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله ءاياته والله عليم حكيم(52) ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم وإن الظالمين لفي شقاق بعيد (53) وليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق من ربك فيؤمنوا به فتخبت له قلوبهم وإن الله لهاد الذين آمنوا إلى صراط مستقيم (54 ) ) [الحج] .
وقد اختلفوا في تفسير قوله تعالى: (تمنى) و (أمنيته) ، وأحسن ما قيل في ذلك: إن (تمنى) من"الأمنية"وهي التلاوة ، كما قال الشاعر في عثمان رضي الله عنه حين قتل:
تمنَّى كتابَ اللهِ أوّل ليلهِ ... وآخرَه لاقى حِمامَ المقادِرِ
وعليه جمهور المفسرين والمحققين ، وحكاه ابن كثير عن أكثر المفسرين ، بل عزاه ابن القيم إلى السلف قاطبة فقال في"إغاثة اللهفان" (1 / 93) :
"والسلف كلهم على أن المعنى إذا تلا ألقى الشيطان في تلاوته"وبيّنه القرطبي فقال في"تفسيره" (12 / 83) :
وقد قال سليمان بن حرب: إن (في) بمعنى: عند ، أي ألقى الشيطان في قلوب الكفار عند تلاوة النبي صلى الله عليه وسلم كقوله عز وجل: (ولبثت فينا) (الشعراء: 18) ، أي عندنا ، وهذا هو معنى ما حكاه ابن عطية عن أبيه عن علماء الشرق ، وإليه أشار القاضي أبو بكر بن العربي .