الْجَوَابُ: هَذَا بَعِيدٌ لِأَنَّ التَّكْلِيفَ مَشْرُوطٌ بِالْقُدْرَةِ لِقوله تَعَالَى: (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَها) [الْبَقَرَةِ: 286] فَكَيْفَ يَقُولُ اللَّه وَجَاهِدُوا فِي اللَّه عَلَى وَجْهٍ لَا تَقْدِرُونَ عَلَيْهِ، وَكَيْفَ وَقَدْ كَانَ الْجِهَادُ فِي الْأَوَّلِ مُضَيَّقًا حَتَّى لَا يَصِحَّ أَنْ يَفِرَّ الْوَاحِدُ مِنْ عَشَرَةٍ، ثُمَّ خَفَّفَهُ اللَّه بِقَوْلِهِ: (الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ) [الْأَنْفَالِ: 66] أَفَيَجُوزُ مَعَ ذَلِكَ أَنْ يُوجِبَهُ عَلَى وَجْهٍ لَا يُطَاقُ حَتَّى يُقَالَ إِنَّهُ مَنْسُوخٌ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ)
هُوَ كَالْجَوَابِ عَنْ سُؤَالٍ يُذْكَرُ وَهُوَ أَنَّ التَّكْلِيفَ وَإِنْ كَانَ تَشْرِيفًا وَاجِبًا كَمَا ذَكَرْتُمْ لَكِنَّهُ شَاقٌّ شَدِيدٌ عَلَى النَّفْسِ؟
فَأَجَابَ اللَّه تَعَالَى عَنْهُ بِقَوْلِهِ: (وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) رُوِيَ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قَالَ كَيْفَ قَالَ اللَّه تَعَالَى: (وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) مَعَ أَنَّهُ مَنَعَنَا عَنِ الزِّنَا وَالسَّرِقَةِ؟
فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا: بَلَى وَلَكِنَّ الْإِصْرَ الَّذِي كَانَ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ وُضِعَ عَنْكُمْ.
وَهَاهُنَا سُؤَالَاتٌ:
السُّؤَالُ الْأَوَّلُ: مَا الْحَرَجُ فِي أَصْلِ اللُّغَةِ؟
الْجَوَابُ: رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا أَنَّهُ قَالَ لِبَعْضِ هُذَيْلٍ مَا تَعُدُّونَ الْحَرَجَ فِيكُمْ؟
قَالَ الضِّيقُ، وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّه عَنْهَا: «سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ ذَلِكَ فَقَالَ الضِّيقُ» .
السُّؤَالُ الثَّانِي: مَا الْمُرَادُ مِنَ الْحَرَجِ فِي الْآيَةِ؟
الْجَوَابُ: قِيلَ هُوَ الْإِتْيَانُ بِالرُّخَصِ، فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يُصَلِّيَ قَائِمًا فَلْيُصَلِّ جَالِسًا وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ ذَلِكَ فليؤم، وَأَبَاحَ لِلصَّائِمِ الْفِطْرَ فِي السَّفَرِ وَالْقَصْرَ فِيهِ.