وقد أوضح لنا العلم دورة الماء في الطبيعة ، ومنها نعلم أن كمية الماء في الأرض ثابتة لا تزيد ؛ لأن ما يتم استهلاكه من الماء يتبخّر ويعود من جديد فالإنسان مثلاً لو شَرِب طيلة عمره مائة طن من الماء ، فاحسب ما يخرج منه من بول وعرق وفضلات في عملية الإخراج تجدها نفس الكمية التي شربها ، وقد تبخرتْ وأخذَتْ دورتها من جديد ؛ لذلك يقولون: رُبَّ شربةِ ماء شربها من آدم الملايين .
ثم يقول الحق سبحانه: {قُلْ إِنَّمَآ أَنَاْ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ ...}
(قُلْ) أي: يا محمد ، وهذا كلام جديد {قُلْ إِنَّمَآ أَنَاْ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ ...} [الكهف: 110] يعني: خُذُوني أُسْوة ، فأنا لست ملَكاً إنما أنا بشر مثلكم ، وحملتُ نفسي على المنهج الذي أطالبكم به ، فأنا لا آمركم بشيء وأنا عنه بنجْوَى . بل بالعكس كان صلى الله عليه وسلم أقلَّ الناس حَظّاً من مُتَعِ الحياة وزينتها .
فكان في المؤمنين به الأغنياء الذين يتمتعون بأطايب الطعام ويرتدُونَ أغْلى الثياب في حين كان صلى الله عليه وسلم يمر عليه الشهر والشهران دون أنْ يُوقَد في بيته نار لطعام ، وكان يرتدي المرقّع من الثياب ، كما أن أولاده لا يرثونه ، كما يرث باقي الناس ، ولا تحل لهم الزكاة كغيرهم ، فحُرِموا من حَقٍّ تمتع به الآخرون .
لذلك كان صلى الله عليه وسلم أدنى الأسوات أي: أقل الموجودين في مُتع الحياة وزُخْرفها ، وهذا يلفتنا إلى أن الرسالة لم تُجْرِ لمحمد نفعاً دنيوياً ، ولم تُميِّزه عن غيره في زَهْرة الدنيا الفانية ، إنما مَيَّزتْه في القيم والفضائل .
ومن هنا كان صلى الله عليه وسلم يقول:"يرد عليَّ يعني من الأعلى فأقول: أنا لست مثلكم ، ويؤخذ مني فأقول: ما أنا إلا بشر مثلكم".
والآية هنا لا تميزه صلى الله عليه وسلم عن البشر إلا في أنه: {يوحى إِلَيَّ} [الكهف: 110] فما زاد محمد عن البشر إلا أنه يُوحَى إليه .