يَقُولُ عَزَّ ذِكْرُهُ، قَالَ لِلْفَعَلَةِ: انْفُخُوا النَّارَ عَلَى هَذِهِ الزُّبَرِ مِنَ الْحَدِيدِ
وَقَوْلُهُ: {حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا} وَفِي الْكَلَامِ مَتْرُوكٌ، وَهُوَ فَنَفَخُوا، حَتَّى إِذَا جَعَلَ مَا بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ مِنَ الْحَدِيدِ نَارًا {قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا} فَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ، فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْمَدِينَةِ وَالْبَصْرَةِ، وَبَعْضُ أَهْلِ الْكُوفَةِ: {قَالَ آتُونِي} بِمَدِّ الْأَلِفِ مِنْ {آتُونِي} بِمَعْنَى: أَعْطُونِي قِطْرًا أُفْرِغْ عَلَيْهِ.
وَقَرَأَهُ بَعْضُ قُرَّاءِ الْكُوفَةِ، قَالَ: (ائْتُونِي) بِوَصْلِ الْأَلِفِ، بِمَعْنَى: جِيئُونِي قِطْرًا أُفْرِغْ عَلَيْهِ، كَمَا عَلَيْهِ: أَخَذْتُ الْخِطَامَ، وَأَخَذْتُ بِالْخِطَامِ، وَجِئْتُكَ زَيْدًا، وَجِئْتُكَ بِزَيْدٍ. وَقَدْ يَتَوَجَّهُ مَعْنَى ذَلِكَ إِذَا قُرِئَ كَذَلِكَ إِلَى مَعْنَى أَعْطُونِي، فَيَكُونُ كَأَنَّ قَارِئَهُ أَرَادَ مَدَّ الْأَلِفِ مِنْ آتُونِي، فَتَرَكَ الْهَمْزَةَ الْأُولَى مِنْ آتُونِي، وَإِذَا سَقَطَتِ الْأُولَى هَمَزَ الثَّانِيَةَ.
وَقَوْلُهُ: {أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا}
يَقُولُ: أَصُبُّ عَلَيْهِ قِطْرًا، وَالْقَطْرُ: النُّحَاسُ.
وَكَانَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِكَلَامِ الْعَرَبِ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ يَقُولُ: الْقِطْرُ: الْحَدِيدُ الْمُذَابُ، وَيَسْتَشْهِدُ لِقَوْلِهِ ذَلِكَ بِقَوْلِ الشَّاعِرِ:
[البحر الطويل]
حُسَامًا كَلَوْنِ الْمِلْحِ صَافٍ حَدِيدُهُ ... جُزَارًا مِنَ اقْطَارِ الْحَدِيدِ الْمُنَعَّتِ
وَقَوْلُهُ: {فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ}
يَقُولُ عَزَّ ذِكْرُهُ: فَمَا اسْطَاعَ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ أَنْ يَعْلُوا الرَّدْمَ الَّذِي جَعَلَهُ ذُو الْقَرْنَيْنِ حَاجِزًا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَنْ دُونَهُمْ مِنَ النَّاسِ، فَيَصِيرُوا فَوْقَهُ وَيَنْزِلُوا مِنْهُ إِلَى النَّاسِ. يُقَالُ مِنْهُ: ظَهَرَ فُلَانٌ فَوْقَ الْبَيْتِ: إِذَا عَلَاهُ، وَمِنْهُ قَوْلُ النَّاسِ: ظَهَرَ فُلَانٌ عَلَى فُلَانٍ: إِذَا قَهَرَهُ وَعَلَاهُ.
{وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا}
يَقُولُ: وَلَمْ يَسْتَطِيعُوا أَنْ يُنَقِّبُوهُ مِنْ أَسْفَلِهِ.