وجملة لا يعلمهم إلا الله معترضة بين {والذين من بعدهم} وبين جملة {جاءتهم رسلهم بالبينات} الواقعة حالاً من {والذين من بعدهم} ، وهو كناية عن الكثرة التي يستلزمها انتفاء علم الناس بهم.
ومعنى {جاءتهم رسلهم} جاءَ كلّ أمة رسولُها.
وضمائر {ردّوا} و {أيديهم} و {أفواههم} عائدٌ جميعها إلى قوم نوح والمعطوفات عليه.
وهذا التركيب لا أعهد سبق مثله في كلام العرب فلعله من مبتكرات القرآن.
ومعنى {فردوا أيديهم في أفواههم} يحتمل عدة وجوه أنهاهَا في"الكشاف"إلى سبعة وفي بعضها بُعدٌ ، وأولاها بالاستخلاص أن يكون المعنى: أنهم وضعوا أيديهم على أفواههم إخفاء لشدة الضحك من كلام الرسل كراهية أن تظهر دواخل أفواههم.
وذلك تمثيل لحالة الاستهزاء بالرسل.
والردّ: مستعمل في معنى تكرير جعل الأيدي في الأفواه كما أشار إليه"الراغب".
أي وضعوا أيديهم على الأفواه ثم أزالوها ثم أعادوا وضعها فتلك الإعادة رَدّ.
وحرف {في} للظرفية المجازية المراد بها التمكين ، فهي بمعنى {على} كقوله: {أولئك في ضلال مبين} [سورة الزمر: 22] .
فمعنى ردّوا أيديهم في أفواههم جعلوا أيديهم على أفواههم.
وعطفه بفاء التعقيب مشير إلى أنهم بادروا بردّ أيديهم في أفواههم بفور تلقيهم دعوة رسلهم ، فيقتضي أن يكون ردّ الأيدي في الأفواه تمثيلاً لحال المتعجب المستهزئ ، فالكلام تمثيل للحالة المعتادة وليس المراد حقيقته ، لأن وقوعه خبراً عن الأمم مع اختلاف عوائدهم وإشاراتهم واختلاف الأفراد في حركاتهم عند التعجب قرينة على أنه ما أريد به إلاّ بيان عَربي.
ونظير هذا قوله تعالى حكاية عن أهل الجنة: {وقالوا الحمد لله الذي صَدَقنا وعده وأورثنا الأرض} [سورة الزمر: 74] ، فميراث الأرض كناية عن حسن العاقبة جرياً على بيان العرب عند تنافس قبائلهم أن حسن العاقبة يكون لمن أخذ أرض عدوّه.