الأرض مظْلمةٌ والنارُ مُشرِقةٌ ... والنار معبودةٌ مذْ كانت النارُ
وجعل واصل بنَ عطاءٍ غَزَّالاً، وزعَم أنَّ جميعَ المسلمين كفَروا بعد وفاة الرسول، فقيل له:
وعليٌّ أيضاً؟ فأنشد:
وما شَرُّ الثلاثةِ أمَّ عمرٍو ... بصاحبك الذي لا تَصْبَحينا
قال واصلُ بن عطاءٍ عند ذلك: أمَا لهذا الأعمى الملحِد المُشنَّف المكَنَّى بأبي معاذٍ مَن يقتله، أما واللَّه لولا أن الغِيلة سجِيّةٌ من سجايا الغالية، لبعثْتُ إليه من يبعَج بطنه على مضجعه، ويقتُله في جوف منزلِه وفي يوم حَفْله، ثم كان لا يتولَى ذلك منه إلا عُقَيليٌّ أو سَدُوسيّ.
قال إسماعيل بن محمّدٍ الأنصاريُّ، وعبدُ الكريم بن رَوح الغِفَاريّ: قال أبو حفص عُمر بن أبي عثمان الشَّمَّرِيُّ: ألا تَريان كيف تجنب الراء في كلامه هذا وأنتما لِلَّذي تريان من سلامته وقلة ظهور التكلُّف فيه لا تظُنّان به التكلّف، مع امتناعه من حَرْفٍ كثير الدَّوران في الكلام، ألا تريانِ أنّه حين لم يستطعْ أن يقول بشَّار، وابن بُرد، والمرعَّث، جعل المشنَف بدلاً من المرعَّث، والملحِد بدلاً من الكافر؛ وقال: لولا أنّ الغِيلة سجيَّةٌ من سجايا الغالية، ولم يذكر المنصوريّة ولا المُغِيريَّة؛ لمكان الراء؛ وقال: لبعثت من يبعج بطنه، ولم يقل: لأرسلتُ إليه؛ وقال: عَلَى مضجعه، ولم يقل: على فراشه، وكان إذا أراد أن يَذْكُر البُرّ قال: القمح أو الحنطة، والحنطةُ لغةٌ كوفيَّة والقمح لغة شاميّة، هذا وهو يعلم أنّ لغةَ من قال بُرّ، أفصحُ من لغة مَن قال قمح أو حنطة، وقال أبو ذؤيب الهذليّ:
لا دَرَّ دَرِّيَ إن أطعمتُ نازلهم ... قِرف الحَتِيِّ وعندي البُرّ مكنوزُ
وقال أميّة بن أبي الصلت في مديح عبد اللّه بن جُدْعان:
له داعٍ بمكة مشمعِلٌّ ... وآخرُ فوقَ دارَتِه يُنادِي
إلى رُدُح من الشِّيزَى عليها ... لُباب البُرّ يُلبكُ بالشِّهادِ
وقال بعض القرشيِّين يذكر قيسَ بن مَعْد يَكرِبَ ومَقدمَهُ مكة في كلمةٍ له:
قيسٌ أبو الأشعثِ بِطْريقُ اليمنْ
لا يسأل السائلُ عنه ابنُ مَنْ أشبَعَ آل اللَّه من بُرِّ عَدَنْ
وقال عمر بن الخطاب رحمه اللَّه: أتَرُوْنَ إنّي لا أعرف رقيق العيش؟ لُبابُ البُرّ بصغار المِعْزَى، وسمع الحسنُ رجلاً يعيب الفالوذَق، فقال: لُبابُ البُرّ، بُلعاب النَّحل، بخالص السَّمن، ما عاب هذا مسلمٌ.