وأيضاً فإن الذين علمهم الله تعالى من الأولين الطب والحساب وعلم الهيئة، ولم يعلمهم ذلك ليختصوا به ويستأثروا بإدراكه دون غيرهم من عباد الله تعالى، وإنما علمهم لينتفعوا به وينفع من يحتاج إليه من الناس.
ومعلوم أن أكثر الناس لم يكونوا يعرفون لغاتهم ومع ذلك تأدى ما كان عندهم إليه فعرفوه، وشملت حكم الله ونظره العباد كلهم بما علمه بعضهم من العلوم التي ذكرناها، فلا ينكر لذلك أن تشملهم رحمته وبصرهم بالمصطفى - صلى الله عليه وسلّم - فيكون رسولاً إليهم وينادي بما أرسل عنه إلى قومه، وإلى الذين لا علم لهم بلسانه كما فادت العلوم التي ذكرنا عن الذين علموا بها إلى غيرهم الذين لم يكونوا يعرفون لسانهم والله أعلم.
وقال قائل: إن كان الأمر على ما وصفتم، أفكان نبيكم رسولاً إلى يأجوج ومأجوج قبل كان التبليغ، أو كان رسولاً إلى إبليس ليبلغه؟
قيل له: إنه كان لا يقوم لدعي خصومه برسالته حجة أبداً، وذلك لأنه اعترف بأنه كان رسولاً إلى العرب، لزمه أن يبرئه وينزهه عن الكذب فإن الكذاب لا يكون نبياً.
وإذا لزمه ذلك وقد ثبت أنه - صلى الله عليه وسلّم - كتب إلى النجاشي وإلى هرقل وإلى كسرى يدعوهم إلى الإسلام لم يمكنه أن يقول: إنه يعرض لدعوتهم من غير أن يكون رسولاً إليهم، وادعى أنه مرسل إليهم من غير أن يكون كذلك بالحقيقة لم يلزمه أن يصدقه.
فإنه إن أجاز عليه الكذب انتقض إثباته أن يكون رسولاً إلى العرب وإذا أثبت رسالته إلى العرب لزمه تصديقه على عامة ما يخبر به عن الله تعالى.
وإذا قال «إني رسول الله إلى الناس كلهم وإلى الجن معهم» لزم تصديقه وبالله التوفيق.
وأما تبليغ إبليس فإنه إن كان بعث قد بلغه، وإن كان لم يلقه فإنما بلغ الجن الذين لقيهم على شرط أن يبلغ شاهدهم غائبهم، كما كان كذلك يبلغ من يحضره من الناس ويقول: «ألا فليبلغ الشاهد الغائب» فأي وقت بلغت يأجوج ومأجوج فيه دعوته، فقد صاروا مبلغين.
وقد أخبر الله تعالى أن السد الذي بيننا وبينهم سدل يوماً، ووردت الأخبار بأنهم يخرجون، فإذا خرجوا وراء المسلمين، وحاط بهم إمامهم يومئذ أو سلطانهم وعرفهم أن الغيث الذي هم فيه حرام لا يرض به الله تعالى، فقد بلغتهم الدعوة.