اختار اللهُ العليمُ الحكيمُ رسولَه الخاتمَ محمدًا - صلى الله عليه وسلم - من الأمةِ العربيةِ؛ لأنها - وإن كانت تتساوى مع بقيةِ الأممِ في الارتكاسِ في الشركِ والوثنيةِ، والوقوعِ تحت سلطانِ التقليدِ الأعمى الذي قَتَل الإنسانية، والانغماسِ في الفواحشِ ما ظهر منها وما بَطَن، والإثم والبغي بغيرِ الحقِّ - إلا أنها مع ذلك كلِّه كانت الخِيرةَ من الناسِ في هذا الوقتِ، بما حَفِظت
من صفاتِ الرجولة؛ شهامةً، وحميَّةً، وإباءً للضيمِ، وصيانةً للحريم، وقيامًا بحقِّ الجوارِ، ثم بعد هذا - وفوق هذا - حفظًا للأنسابِ، وربطًا لوشائجِ القُربَى، وتوثيقًا لعُرَى العصبيةِ، وإن كان ذلك في غلوٍّ وإسرافٍ، لكن ذلك كان أيسرَ على القرآنِ والرسولِ - صلى الله عليه وسلم - أن يُزِيلَه ويطهِّر النفوسَ منه، مما كانت الأمم الأخرى ملوَّثةً به من الانحلالِ والخنوثةِ، ومن ارتكاسِ العقولِ في ظلماتِ الفلسفةِ القاتلة، والجدلياتِ في أمورٍ لا تَمُتُّ إلى الحقيقة بسبب.
وفى الحديثِ - الذي رواه مسلم: (( إن اللهَ نَظَر إلى الناسِ، فَاصطَفَى منهم إبراهيمَ، ثم نَظَر إلى ولدِ إبراهيمَ، فَاصطَفَى منهم إسماعيلَ، ثم نَظَر إلى ولدِ إسماعيلَ فَاصطَفَى كنانةَ، ثم نَظَر إلى كنانةَ، فَاصطَفَى منهم قريشًا، ثم نَظَر إلى قريشٍ، فَاصطَفَى منهم هاشمًا، ثم نَظَر إلى بنِي هاشمٍ، فَاصطَفَانِي منهم، فأنا خيارٌ من خيارٍ من خيارٍ من خيارٍ ) ).
إذًا فقد اصطفى اللهُ العربَ؛ ليَصطَفِيَ منهم خاتَمَ رسلِه - صلى الله عليه وسلم - ثم نشَّأهُ بينهم في كلِّ أطوارِ نشأتِه؛ ليكونوا على بينةٍ من أمرِه، وأعرفَ الناسِ به، فعَرَفوه من طفولتِه إلى بِعثتِه ما ضلَّ وما غَوَى، ولا عابوه بشيءٍ مما كان شبابُهم وشيوخُهم يتمرَّغون فيه من رذيلةٍ وسَفَهٍ، حتى كانوا لا يَدْعُونه إلا الأمين، ولم يكن يشاركُه في هذا اللقب أحدٌ.