وسبحانه يقول: {وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حتى إِذَا خَرَجُواْ مِنْ عِندِكَ قَالُواْ لِلَّذِينَ أُوتُواْ العلم مَاذَا قَالَ آنِفاً ...} [محمد: 16] .
وهكذا نجد مَنْ يستقبل القرآن ، ولا ينصاع إلى معانيه ؛ ونجد مَن يستمع إلى القرآن فيخشع قلبه وينفعل بالاستجابة لِمَا يوُصي به الحق سبحانه .
إذن: عرفنا الآن أن اللغة بدأتْ توقيفية وانتهتْ اصطلاحية ؛ فقد أخذنا من الله ما علَّمه لآدم من أسماء ؛ وتغيَّرت الألسن من جماعة إلى أخرى ، وهكذا اختلفتْ ألسنة الرُّسُل حَسْب القوم المرسلين إليهم .
وكل رسول يُبيِّن للقوم منهجَ الله ؛ فإذا بيَّن هذا المنهج ، استقبله البعض بالإيمان بما جاء به والهداية ، واستقبله البعضُ الآخر بالكُفْر والضَّلال .
فالذي هداه الله استشرف قلبُه إلى هذا المنهج ؛ وأخرج من قلبه أيّ عقيدة أخرى ، وبحثَ فيما جاء به الرسول ، وملأ قلبه بالمنهج الذي ارتاح له فهماً وطمأنينة .
وهو عكس مَنْ تسكن قلبه قضية مخالفة ، ويُصرُّ عليها ، لا عن قناعة ، ولكن عن عدم قدرة على التمحيص والدراسةَ والاستشراف . وكان عليه أنْ يُخرِج القضية المُضِلة من قلبه ، وأن يبحث ويقارن ويستشف ويُحسِن التدبر ؛ ثم يُدخل إلى قلبه القضية الأكثر قبولاً ، ولكنه لا يفعل ، عكس مَنْ هداه الله .
ولا يقولن أحد"ما دام قد أضلنا الله فلم يعذبنا؟"ولكن ليعلم كل إنسان أن المشيئة لقابلية الإيمان موجودة ، ولكنه لم يَسْتدعها إلى قلبه .
والحق سبحانه يقول: {والذين اهتدوا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقُوَاهُمْ ...} [محمد: 17] .
ويقول: {وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الفاسقين} [البقرة: 26] .
أي: أن الفسق قد صدر منهم ، لأنهم ملأوا أفئدتهم بقضايا باطلة ؛ فجاءت قضايا الحق فلم تجد مدخلاً .
وهنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها يقول سبحانه: