ولذلك تستطيع أن تَعقِد مقارنة بين البلاد التي فُتحت بالسيف والقتال ؛ والبلاد التي فُتِحتَ بالسِّلْم ورؤية القدوة المسلَمة الصالحة ؛ ستجد أن الذين نشروا الإسلام في كثير من أصقاع الأرض قد اعتمدوا على القدوة الصالحة .
ستجد أنهم نُقلوا الدين بالخِصَال الحميدة ، وبتطبيق منهج الدين في تعاملهم مع غيرهم ، ولذلك أقبل الناس على دين الله .
وهكذا نجد أن منهج الإسلام قد حمل معجزة من المعاني ، بجانب كونه معجزةً في اللغة التي نزل بها ، وهي لغة العرب .
ونحن نجد أقواماً لا تستطيع أن تقرأ حرفاً عربياً إلا في المصحف ، ذلك أنهم تعلَّموا القراءة في المصحف ، واعتمدوا على فَهْم المعاني الموجودة فيه عَبْر الترجمات التي قام بها مُسلِمون أحبُّوا القرآن ، ونقلُوه إلى اللغات الأخرى .
ولذلك نجد قول الحق سبحانه: {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا القرآن لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ} [القمر: 17] .
وهكذا نعلم أن الحق سبحانه قد يسَّر أُمَّ القرآن بلسان العرب أولاً ، ثم يسرَّه بأن جعل من تلك الأمة التي نزل عليها القرآن أمة نَشرْ البلاغ عنه سبحانه ، ذلك أن الرسالات تُريد تبليغاً ؛ والتبليغ وسيلتُه الأولى هي الكلام ؛ ووسيلته الثانية الاستقبالية هي الأذن ، فلا بُدَّ من الكلام أولاً ، ثم لا بُدَّ من أُذن تعرف مدلولاتِ الألفاظ لتسمعَ هذا الكلام ، ولِتُطبّقه سلوكاً .
كما أننا نعلم أن مَنْ يسمع المتكلم لا بُدَّ وأن يكون واعياً وعارفاً بمعاني الألفاظ ؛ فما تسمعه الأُذن يحكيه اللسان .
وعرفْنَا أن اللغة بِنْت السماع ، وكُلُّ فرد إنما يتكلم باللغة التي سمعها في بيئته ؛ وإذا تتبعتَ سلسلة تعلُّم كل الكلام ستجد نفسك أمام الجِذْر الأصلي الذي تعلَّم منه البشر الكلام ؛ وهو آدم عليه السلام .
وقد قال سبحانه: {وَعَلَّمَ ءَادَمَ الأسمآء كُلَّهَا ...} [البقرة: 31] .