والمنهج القرآني في الدعوة يجمع بين الحديث عن كتاب الله المتلوّ وهو هذا القرآن وبين كتاب الكون المفتوح ؛ ويجعل الكون بجملته مصدر إيحاء للكينونة البشرية ؛ بما فيه من دلائل شاهدة بسلطان الله وتقديره وتدبيره. كما يضم إلى هذين الكتابين سجل التاريخ البشري ، وما يحفظه من دلائل ناطقة بالسلطان والتقدير والتدبير أيضاً. ويواجه الكينونة البشرية بهذا كله ويأخذ عليها أقطارها جميعاً ؛ وهو يخاطب حسها وقلبها وعقلها جميعاً!
وهذه السورة تحوي من النماذج الباهرة في عرض صفحات الكتاب الكوني عقب الكتاب القرآني في مواجهة الكينونة البشرية بجملتها.. وهذه بعض هذه النماذج:
{المر. تلك آيات الكتاب. والذي أنزل إليك من ربك الحق ، ولكن أكثر الناس لا يؤمنون.} {الله الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها ؛ ثم استوى على العرش ؛ وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى ، يدبر الأمر ، يفصل الآيات ، لعلكم بلقاء ربكم توقنون. وهو الذي مد الأرض ، وجعل فيها رواسي وأنهاراً ، ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين ، يغشي الليل النهار ، إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون. وفي الأرض قطع متجاورات ، وجنات من أعناب ، وزرع ، ونخيل صنوان وغير صنوان يسقى بماء واحد ، ونفضل بعضها على بعض في الأكل ، إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون} يحشد السياق هذه المشاهد الكونية ، ليحيل الكون كله شاهداً ناطقاً بسلطان الله سبحانه في الخلق والإنشاء ، والتدبير. ثم يعجّب من أمر قوم يرون هذه الشواهد كلها ، ثم يستكثرون قضية البعث والنشأة الأخرى ، ويكذبون بالوحي من أجل أنه يقرر هذه الحقيقة القريبة.. القريبة في ظل تلك المشاهد العجيبة..
{وإن تعجب فعجب قولهم: أئذا كنا تراباً أئنا لفي خلق جديد؟ أولئك الذين كفروا بربهم ، وأولئك الأغلال في أعناقهم ، وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون}