ثم زاد في الثناء فقال: {ولله يسجد من في السماوات والأرض} فإن كان السجود بمعنى وضع الجبهة فذلك ظاهر في المؤمنين لأنهم يسجدون له {طوعاً} أي بسهولة ونشاط {وكرهاً} أي على تعب واصطبار ومجاهدة. وأما في حق الكفار فمشكل ووجهه أن يقال: المراد حق له أن يسجد لأجله جميع المكلفين من الملائكة والثقلين فعبر عن الوجوب بالوقوع ، وإن كان بمعنى الانقياد والخضوع والاعتراف بالإلهية وترك الامتناع عن نفوذ مشيئته فيهم فلا إشكال نظيره قوله: {وله أسلم من في السماوات والأرض} [آل عمران: 83] وقد مر في"آل عمران"أما قوله: {وظلالهم} فقد قال جمع المفسرين. كمجاهد والزجاج وابن الأنباري: لا يبعد أن يخلق الله للظلال أفهاماً تسجد بها لله وتخضع له كما جعل للجبال أفهاماً حتى اشتغلت بتسبيحه فظل المؤمن يسجد لله طوعاً وهو طائع وظل الكافر يسجد لغير الله كرهاً ويسجد لله طوعاً. وقال آخرون: المراد من سجود الظلال تقلصها وامتدادها بحسب ارتفاع الشمس وانحطاطها فهي منقادة مستسلمة لما أتاح لله لها في الأحوال. وتخصيص الغدوّ والآصال بالذكر لغاية ظهورها وازديادها في الوقتين. ومعنى الغدّو والآصال قد مر في آخر"الأعراف". واعلم أنه سبحانه ذكر آية السجدة في النحل بعبارة أخرى فقال: {ولله يسجد ما في السماوات وما في الأرض من دابة والملائكة} [الآية: 49] لأنه تقدم ذكر ما خلق الله على العموم ولم يكن فيه ذكر الملائكة ولا الإنس بالصريح فعمم ليشمل الإنس وصرح بالملائكة. وقال في"الحج" {ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض} [الحج: 18] بتكرير"من"لأنه تقدم ذكر المؤمنين وسائر الأديان فقدم ذكر {من في السماوات} تعظيماً لهم ولها وذكر {من في الأرض} لأنهم هم الذين تقدم ذكرهم. وأما في هذه السورة فقد تقدم ذكر العلويات من الرعد والبرق ، ثم ذكر الملائكة وتسبيحهم ، ثم انجر الكلام إلى ذكر الأصنام