فهذا كله مما أمر الله به أن يوصل ثم وصفهم بالحامل لهم على هذه الصلة وهو خشيته وخوف سوء الحساب يوم المآب، ولا يمكن لأحد قط أن يصل ما أمر الله بوصله إلا بخشيته، ومتى ترحلت الخشية من القلب انقطعت هذه الوصل، ثم جمع لهم سبحانه ذلك كله في أصل واحد هو أخية ذلك وقاعدته ومداره الذي يدور عليه وهو الصبر فقال {وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ} فلم يكتف منهم بمجرد الصبر حتى يكون خالصا لوجهه.
ثم ذكر لهم ما يعيينهم على الصبر وهي الصلاة فقال {وأقاموا الصلاة} وهذان هما العونان على مصالح الدنيا والآخرة وهما الصبر والصلاة فقال تعالى {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ} وقال {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} .
ثم ذكر سبحانه إحسانهم إلى غيرهم بالإنفاق عليهم سرا وعلانية فأحسنوا إلى أنفسهم بالصبر والصلاة وإلى غيرهم بالإنفاق عليهم ثم ذكر حالهم إذا جهل عليهم وأوذوا إنهم لا يقابلون ذلك بمثله بل يدرأون بالحسنة السيئة فيحسنون إلى من يسيء إليهم فقال {وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ} وقد فسر هذا الدرء بأنهم يدفعون بالذنب الحسنة بعده كما قال تعالى {إن الحسنات يذهبن السيئات}
وقال النبي"أتبع السيئة الحسنة تمحها"
والتحقيق أن الآية تعم النوعين.
والمقصود أن هذه الآيات تناولت مقامات الإسلام والإيمان كلها اشتملت على فعل المأمور وترك المحظور والصبر على المقدور وقد ذكر تعالى هذه الأصول الثلاثة في قوله: {بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا} وقوله {إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِر} وقوله {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} فكل موضع قرن فيه التقوى بالصبر اشتمل على الأمور الثلاثة فإن حقيقة التقوى فعل المأمور وترك المحظور.
{جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (23) }