لكن السياق يدل على ان الاشراك ليس بذاك العموم الذي يتراءى من لفظ من اتبعنى فان السبيل التي تعرفها الآية هي الدعوة عن بصيرة ويقين إلى إيمان محض وتوحيد خالص وإنما يشاركه (صلى الله عليه وآله وسلم) فيها من كان مخلصا لله في دينه عالما بمقام ربه ذا بصيرة ويقين وليس كل من صدق عليه انه اتبعه على هذا النعت ولا ان الاستواء على هذا المستوى
مبذول لكل مؤمن حتى الذين عدهم الله سبحانه في الآية السابقة من المشركين وذمهم بانهم غافلون عن ربهم آمنون من مكره معرضون عن آياته وكيف يدعو إلى الله من كان غافلا عنه آمنا من مكره معرضا عن آياته وذكره ؟ وقد وصف الله في آيات كثيرة أصحاب هذه النعوت بالضلال والعمى والخسران ولا تجتمع هذه الخصال بالهداية والارشاد البتة .
قوله تعالى:"وما ارسلنا من قبلك الا رجالا نوحي إليهم من أهل القرى"إلى آخر الآية لما ذكر سبحانه حال الناس في الإيمان به ثم حال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في دعوته اياهم عن رسالة إلهية من غير ان يسالهم فيها أجرا أو يجر لنفسه نفعا بين ان ذلك ليس ببدع من الأمر بل مما جرت عليه السنة الإلهية في الدعوة الدينية فلم يكن الرسل الماضون ملائكة وإنما بعثوا من بين هؤلاء الناس وكانوا رجالا من أهل القرى يخالطون الناس ويعرفون عندهم أوحى الله إليهم وارسلهم نحوهم يدعونهم إليه كما ان النبي كذلك ومن الممكن ان يسير هؤلاء المدعوون في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم فبلادهم الخربة ومساكنهم الخالية تفصح عما آل إليه أمرهم وتنبئ عن عاقبة كفرهم وجحودهم وتكذيبهم لآيات الله .
فالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لا يدعوهم الا كما كان يدعوهم الأنبياء من قبله وليس يدعوهم الا إلى ما فيه خيرهم وصلاح حالهم وهو ان يتقوا الله فيفلحوا ويفوزوا بسعادة خالدة ونعيم مقيم في دار باقية ولدار الآخرة خير للذين اتقوا أفلا تعقلون .