وَهَذَا الْقَوْلُ الَّذِي قَالَهُ مُجَاهِدٌ وَإِنْ كَانَ لَهُ وَجْهٌ يَحْتَمِلُهُ التَّأْوِيلُ، فَإِنَّ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ أَوْلَى بِهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ عُقَيْبَ الْخَبَرِ عَنْ نَبِيِّنَا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَنْ قَوْمِهِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، وَعُقَيْبَ تَهْدِيدِهِمْ وَوَعِيدِهِمْ عَلَى الْكُفْرِ بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَمُنْقَطِعٌ عَنْ خَبَرِ يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ، وَمَعَ ذَلِكَ أَنَّهُ خَبَرٌ عَامٌّ عَنْ جَمِيعِ ذَوِي الْأَلْبَابِ، أَنَّ قَصَصَهُمَ لَهُمْ عِبْرَةٌ، وَغَيْرَ مَخْصُوصٌ بَعْضٌ بِهِ دُونَ بَعْضٍ، فَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ عَلَى مَا وَصَفْتَ فِي ذَلِكَ، فَهُوَ بِأَنْ يَكُونَ خَبَرًا عَنْ أَنَّهُ عِبْرَةٌ لِغَيْرِهِمْ أَشْبَهُ، وَالرِّوَايَةُ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا عَنْ مُجَاهِدٍ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ جُرَيْجٍ أَشْبَهُ بِهِ أَنْ تَكُونَ مِنْ قَوْلِهِ، لِأَنَّ ذَلِكَ مُوَافِقُ الْقَوْلِ الَّذِي قُلْنَاهُ فِي ذَلِكَ.
وَقَوْلُهُ: {مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى}
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: مَا كَانَ هَذَا الْقَوْلُ حَدِيثًا يُخْتَلَقُ وَيُتَكَذَّبُ وَيُتَخَرَّصُ.
{وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ}
يَقُولُ: وَلَكِنَّهُ تَصْدِيقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ كُتِبِ اللَّهِ الَّتِي أَنْزَلَهَا قَبْلَهُ عَلَى أَنْبِيَائِهِ، كَالتَّوْرَاةِ، وَالْإِنْجِيلِ، وَالزَّبُورِ، وَيُصَدِّقُ ذَلِكَ كُلَّهُ وَيَشْهَدُ عَلَيْهِ أَنَّ جَمِيعَهُ حَقٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ.
وَقَوْلُهُ: {وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ}
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَهُوَ أَيْضًا تَفْصِيلُ كُلِّ مَا بِالْعِبَادِ إِلَيْهِ حَاجَةٌ مِنْ بَيَانِ أَمْرِ اللَّهِ، وَنَهْيِهِ، وَحَلَالِهِ، وَحَرَامِهِ، وَطَاعَتِهِ، وَمَعْصِيَتِهِ
وَقَوْلُهُ: {وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَهُوَ بَيَانُ أَمْرِهِ، وَرَشَادُ مَنْ جَهِلَ سَبِيلَ الْحَقِّ فَعَمِيَ عَنْهُ إِذَا تَبِعَهُ، فَاهْتَدَى بِهِ مِنْ ضَلَالَتِهِ، وَرَحْمَةٌ لِمَنْ آمَنْ بِهِ، وَعَمِلَ بِمَا فِيهِ، يُنْقِذُهُ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ وَأَلِيمِ عَذَابِهِ، وَيُوَرِّثُهُ فِي الْآخِرَةِ جِنَانَهُ، وَالْخُلُودَ فِي النَّعِيمِ الْمُقِيمِ {لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}
يَقُولُ: لِقَوْمٍ يُصَدِّقُونَ بِالْقُرْآنِ، وَبِمَا فِيهِ مِنْ وَعَدِ اللَّهِ، وَوَعِيدِهِ، وَأَمْرِهِ، وَنَهْيِهِ، فَيَعْمَلُونَ بِمَا فِيهِ مِنْ أَمْرِهِ، وَيَنْتَهُونَ عَمَّا فِيهِ مِنْ نَهْيِهِ. انتهى انتهى. {تفسير الطبري. 13/}