الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (106) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَمَا يُقِرُّ أَكْثَرُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ وَصَفَ عَزَّ وَجَلَّ صِفَتَهُمْ بِقَوْلِهِ: {وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ} بِاللَّهِ، أَنَّهُ خَالِقُهُ وَرَازِقُهُ وَخَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ، إِلَّا وَهُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ فِي عِبَادَتِهِمُ الْأَوْثَانَ وَالْأَصْنَامَ، وَاتِّخَاذِهِمْ مِنْ دُونِهِ أَرْبَابًا، وَزَعْمِهِمْ أَنَّهُ لَهُ وَلَدًا، تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يَقُولُونَ.
عَنْ عِكْرِمَةَ، قَالَ:"تَسْأَلُهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ وَمَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ، فَيَقُولُونَ: اللَّهُ، فَذَلِكَ إِيمَانُهُمْ بِاللَّهِ، وَهُمْ يَعْبُدُونَ غَيْرَهُ"
[وفي رواية] فَإِذَا سُئِلُوا عَنِ اللَّهِ وَعَنْ صِفَتِهِ، وَصَفُوهُ بِغَيْرِ صِفَتِهِ، وَجَعَلُوا لَهُ وَلَدًا، وَأَشْرَكُوا بِهِ""
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ}
يَعْنِي النَّصَارَى يَقُولُ: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولَنَّ اللَّهُ} ، {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولَنَّ اللَّهُ} [الزخرف: 87] وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ؟ لَيَقُولَنَّ اللَّهُ، وَهُمْ مَعَ ذَلِكَ يُشْرِكُونَ بِهِ، وَيَعْبُدُونَ غَيْرَهُ، وَيَسْجُدُونَ لِلْأَنْدَادِ دُونَهُ""
عَنِ الضَّحَّاكِ، قَالَ: «كَانُوا يُشْرِكُونَ بِهِ فِي تَلْبِيَتِهِمْ»
[قَالَ] ابْنُ زَيْدٍ:"لَيْسَ أَحَدٌ يَعْبُدُ مَعَ اللَّهِ غَيْرَهُ إِلَّا وَهُوَ مُؤْمِنٌ بِاللَّهِ، وَيَعْرِفُ أَنَّ اللَّهَ رَبَّهُ، وَأَنَّ اللَّهَ خَالِقُهُ وَرَازِقُهُ، وَهُوَ يُشْرِكُ بِهِ، أَلَا تَرَى كَيْفَ قَالَ إِبْرَاهِيمُ: {أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ، أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ، فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ} قَدْ عَرَفَ أَنَّهُمْ يَعْبُدُونَ رَبَّ الْعَالَمِينَ مَعَ مَا يَعْبُدُونَ، قَالَ: فَلَيْسَ أَحَدٌ يُشْرِكُ بِهِ إِلَّا وَهُوَ مُؤْمِنٌ بِهِ، أَلَا تَرَى كَيْفَ كَانَتِ الْعَرَبُ تُلَبِّي، تَقُولُ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ، إِلَّا شَرِيكٌ هُوَ لَكَ، تَمْلِكُهُ وَمَا مَلَكَ؟ الْمُشْرِكُونَ كَانُوا يَقُولُونَ هَذَا"