فالمُسَارعة إلى المغفرة تعني أن مَنْ يسارع إليها موجود خارجها ، وهي الغاية التي سيصل إليها ، أما مَنْ يسارع في الخيرات ؛ فهو يحيا في الخير الآن ، ونطلب منه أن يزيد في الخير .
وأيضاً نجد قوله الحق: {... واصبر على مَآ أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأمور} [لقمان: 17]
ونجد قوله الحق: {وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأمور} [الشورى: 43]
وواحدة منهما وردتْ في المصائب التي لها غَرِيم ، والأخرى قد وردتْ في المصائب التي لا غريم فيها ؛ مثل المرض حيث لا غَرِيم ولا خُصومة .
أما إذا ضربني أحد ؛ أو اعتدى على أحد أبنائي ؛ فهو غريمي وتوجد خصومة ؛ فوجوده أمامي يَهِيج الشر في نفسي ؛ وأحتاج لضبط النفس بعزيمة قوية ، وهذا هو تفصيل الكتاب .
والحق سبحانه يقول: {كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ ...} [فصلت: 3]
أي: أن كل جزئية فيه مناسبة للأمر الذي نزلتْ في مناسبته .
ومثال هذا هو قوله سبحانه: {وَلاَ تقتلوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم ...} [الإسراء: 31]
وقوله الحق: {وَلاَ تقتلوا أَوْلاَدَكُمْ مِّنْ إمْلاَقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ ...} [الأنعام: 151]
وكل آية تناسب موقعها ، ومعناها مُتَّسق في داخلها ، وتَمَّ تفصيلها بما يناسب ما جاءت له ، فقوله: {وَلاَ تقتلوا أَوْلاَدَكُمْ مِّنْ إمْلاَقٍ ...} [الأنعام: 151]
يعني أن الفقر موجود ، والإنسان مُنْشغل برزقه عن رزق ابنه .
أما قوله: {خَشْيَةَ إِمْلاقٍ ...} [الإسراء: 31]
أي: أن الفقر غير موجود ، وهناك خَوْف أن يأتي إلى الإنسان ؛ وهو خوف من أمر لم يَطْرأ بعد .
وهكذا نجد في القرآن تفصيلاً لكل شيء تحتاجونه في أمر دنياكم وآخرتكم ، وهو تفصيل لكل شيء ليس عندك ؛ وقد قال الهدهد عن ملكة سبأ بلقيس: {وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ ...} [النمل: 23]