جرت تلك السنة في الأناسي ، فإذا صبر الصالح فاز بالولاية عليهم ، وأحبوه بعد العداوة ولو بعد حين ، وعادوا من آذاه ! ثم انظر في حديث قصة امرأة العزيز ، وكيف عف مع الشباب ، وكيف ساس نفسه وصدق ظن مولاه في الأمانة ، وأرضى إلهه ، واتسم بالفضيلة ، فتوازى جماله الباطني والظاهري . . ! ولنكتف بهذا القدر الآن ، ولنشرع في الكلام على الآداب والأخلاق وتربية الأمراء والعفو والصفح ، التي تضمنتها تلك القصة ! .
فأما علم الأخلاق ، وتربية رؤساء الأمم منها ، فتأمل في كلام الحكماء - أولهم وآخرهم - تجد إجماعهم على أن سياسة أخلاق النفس أولاً فالمنزل فالمدينة ، كل واحدة مقدمة للاحقتها ثمرة لسابقتها ؛ إذ لا يعقل أن يسوس منزله من لم يسس نفسه ، أو يسوس أمته من لم يدبر إدارة منزله ! .
بايع الصحابة - عليهم رضوان الله - الخليفة الأول ، فأخذ قماشاً وذراعاً وذهب إلى السوق في الغداة ، فاستاء الصحابة ولاموه ، فقال: إذا أضعت أهلي ، فأنا للمسلمين أضيع ! ففرضوا له دريهمات من بيت المال ، فقال: إذن أنظر في شؤونكم ! لذلك نجد الغربيين - إذا ولوا رجلاً إدارة بلادهم - أكثروا السؤال عن قرينته وإدارة منزله ، علماً منهم أن منزله أقرب إليه من الأمة .