قال بعض المحققين: المراد به أن قصص القرآن ليست مخترعة ولا مفتراة ، بدليل وجود أمثالها بين الناس ، قبل نزوله . فهي وإن اختلفت قليلاً في بعض التفاصيل والجزئيات ، عما يرويه الناس ، إلا أن توافقها في الجملة ، وتصدقها في الجوهر ، فلا تظنوا أيها المشركون أن النبي اخترعها بعقله ، بل اسألوا عنها أهل الكتاب ، تجدوا أنها معروفة بينهم ، ومروية في كتبهم ، فوجود قصص القرآن عند الناس من قبل من أعظم ما يصدقه ويؤيده ؛ لأن النبي صلوات الله عليه ، لم يطلع على كتب أهل الكتاب . ولا يتوهم من هذه الآية أن قصص القرآن يجب ألا تختلف عن قصص التوراة والإنجيل في شيء ما ، كلا إذ لو صح هذا لما قال تعالى: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرائيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} [النمل: 76] ، فقصصه قد تختلف عما عندهم ، وتبين لهم حقه من باطله . فلا منافاة بين تصديق القرآن لقصصهم في الجملة ، ومخالفته لها في بعض الجزئيات - كما قلنا - ويجوز أن يكون المراد بقوله: {تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ} تصديق الحق الذي عندهم ، لا كل الذي عندهم ، وإلا لدخل في ذلك عقائدهم الفاسدة وأوهامهم وخرافاتهم وغيرها ، مما جاء القرآن لإزالته ومحقه ، ويستحيل أن يكون مصدقاً لما جاء لإبطاله . فتنبه لذلك . ولا تكن من الغافلين . انتهى .
وقوله تعالى: {وَتَفْصِيلَ كُلَّ شَيْءٍ} أي: تبيان كل ما يحتاج إليه من أحكام الحلال والحرام ، والآداب والأخلاق ، ووجوه العبر والعظات ، ولذا كان أعظم ما تنقذ به القلوب من الغي إلى الرشاد ، ومن الضلال إلى السداد ، وتبتغي به الرحمة من رب العباد ، كما قال تعالى: {وَهُدًى} أي: من الضلالة: {وَرَحْمَةً} أي: من العذاب: {لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} أي: يصدقون به ، ويعلمون بأوامره ، فإن الإيمان قول وعقد وعمل . وخصهم لأنهم المنتفعون به .
خاتمة في مباحث مهمة: