وقد وَجَّهها الناسُ بأربعة أوجه ، أجودُها: أن الضميرَ في"وظنُّوا"عائدٌ على المُرْسَل إليهم لتقدُّمهم في قوله: {كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الذين مِن قَبْلِهِمْ} [يوسف: 109] ، ولأن الرسلَ تَسْتدعي مُرْسَلاً إليه . والضمير في"أنهم"و"كُذِبوا"عائد على الرسل ، أي: وظنَّ المُرْسَل إليهم أنَّ الرسَلَ قد كُذِبوا ، أي: كذَّبهم مَنْ أُرْسِلوا إليه بالوحي وبنصرهم عليهم .
الثاني: أنَّ الضمائرَ الثلاثةَ عائدة على الرسل . قال الزمخشري في تقرير هذا الوجه"حتى إذا اسْتَيْئَسوا من النصر وظنُّوا أنهم قد كُذِبوا ، أي: كَذَّبَهم أنفسُهم حين حَدَّثَتْهم أنهم يُنْصَرون أو رجاؤُهم لقولهم رجاءٌ صادق ورجاءٌ كاذب ، والمعنى: أن مدَّة التكذيب والعداوةِ من الكفار ، وانتظارَ النصر من اللَّه وتأميلَه قد تطاولت عليهم وتمادَتْ ، حتى استشعروا القُنوط ، وتَوَهَّموا ألاَّ نَصْرَ لهم في الدنيا فجاءهم نَصْرُنا"انتهى/ فقد جعل الفاعلَ المقدر: إمَّا أنفسُهم ، وإمَّا رجاؤُهم ، وجعل الظنَّ بمعنى التوهم فأخرجه عن معناه الأصلي وهو تَرَجُّحُ أحدِ الطرفين ، وعن مجازه وهو استعمالُه في المُتَيَقَّن .
الثالث: أنَّ الضمائرَ كلَّها أيضاً عائدة على الرسل ، والظنُّ على بابه من الترجيح ، وإلى هذا نحا ابن عباس وابن مسعود وابن جبير ، قالوا: والرسل بَشَرٌ فَضَعُفوا وساءَ ظَنُّهم ، وهذا ينبغي ألاَّ يَصِحَّ عن هؤلاء فإنها عبارة غليظة على الأنبياء عليهم السلام ، وحاشى الأنبياء من ذلك ، ولذلك رَدَّتْ عائشة وجماعةُ كثيرة هذا التأويلَ ، وأعظموا أن تُنْسَبَ الأنبياء إلى شيء مِن ذلك .