واستنزال يوسف عليه السلام عن رأيه في استعصائه عليها وعدم موتاته لها على مرادها بإلقاء الرعب في قلبه من مكرها طمعاً في مواقعته لها مكرهاً عند يأسها عن ذلك مختاراً كما قالت: {لَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَا ءامُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وليكونا مِنَ الصاغرين} [يوسف: 32] ثم إنها جعلت صدور الإرادة المذكورة عن يوسف عليه السلام أمراً محققاً مفروغاً عنه غنياً عن الأخبار بوقوعه وإن ما هي عليه من الأفاعيل لأجل تحقيق جزائرها ، ولم تصرح بالاسم بل أتت بلفظ عام تهويلاً للأمر ومبالغة في التخويف كأن ذلك قانون مطرد في حق كل أحد كائناً من كان ، وذكرت نفسها بعنوان أهلية العزيز إعظاماً للخطب وإغراءاً له على تحقيق ما يتوخاه بحكم الغضب والحمية كذا قرره غيره واحد.
وذكر الإمام في تفسيره ما فيه نوع مخالف لذلك حيث قال: إن في الآية لطائف: أحدها: أن حبها الشديد ليوسف عليه السلام حملها على رعاية دقيقتين في هذا الموضوع وذلك لأنها بدأت بذكر السجن وأخرت ذكر العذاب لأن المحب لا يسعى في إسلام المحبوب ، وأيضاً إنها لم تذكر أن يوسف عليه السلام يجب أن يقابل بأحد هذين الأمرين بل ذكرت ذلك ذكراً كلياً صوناً للمحبوب عن الذكر بالشر والألم ، وأيضاً قالت: {إِلا أَن يُسْجَنَ} والمراد منه أن يسجن يوماً.
أو أقل على سبيل التخفيف ، فأما الحبس الدائم فإنه لا يعبر عنه بهذه العبارة بل يقال: يجب أن يجعل من المسجونين ، ألا ترى أن فرعون كيف قال حين هدد موسى عليه السلام: {لَئِنِ اتخذت إلها غَيْرِى لاجْعَلَنَّكَ مِنَ المسجونين} [الشعراء: 29] .