قوله: {ثُمَّ فُصِّلَتْ} "ثم"على بابها مِن التراخي لأنها أُحكمَتْ ثم فُصِّلَتْ بحسب أسبابِ النزول . وقرأ عكرمة والضحاك والجحدري وزيد ابن علي وابن كثير في روايةٍ"فَصَلَتْ"بفتحتين خفيفةَ العين . قال أبو البقاء:"والمعنى: فَرَقَتْ ، كقوله: {فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ} [البقرة: 249] ، أي: فارق". وفَسَّر هنا غيرُه بمعنى فَصَلَتْ بين المُحِقِّ والمُبْطِل وهو أحسنُ . وجعل الزمخشري"ثم"للترتيب في الإِخبار لا لترتيب الوقوع في الزمان فقال: " فإن قلت: ما معنى"ثم"؟ قلت: ليس معناها التراخي في الوقت ولكن في الحال ، كما تقول: هي مُحْكَمَةٌ أحسنَ الإِحكام ثم مُفَصَّلةٌ أحسنَ التفصيل ، وفلانٌ كريمٌ الأصل ثم كريمُ الفعل " وقُرِئ أيضاً:"أحْكَمْتُ آياتِه ثم فَصَّلْتُ"بإسناد الفعلين إلى تاء المتكلم ونَصْبِ"آياته"مفعولاً بها ، أي: أحكمتُ أنا آياتِه ثم فَصَّلْتُها ، حكى هذه القراءةَ الزمخشري .
قوله: {مِن لَّدُنْ} يجوز أن تكونَ صفةً ثانية ل"كتاب"، وأن تكون خبراً ثانياً عند مَنْ يرى جوازَ ذلك ، ويجوز أن تكون معمولةً لأحد الفعلين المتقدِّمين أعني"أُحْكِمَتْ"أو"فُصِّلَتْ"ويكون ذلك من بابِ التنازع ، ويكون من إعمال الثاني ، إذ لو أَعْمل الأولَ لأضمر في الثاني ، وإليه نحا الزمخشري في [قوله] :"وأن يكون صلةَ"أُحْكِمت"و"فُصَّلَتْ"، أي: من عندِ أحكامُها وتفصيلُها ، وفيه طباق حسن لأن المعنى: أحكمها حكيم وفصَّلها ، أي: شَرَحها وبيَّنها خبيرٌ بكيفيات الأمور". قال الشيخ:"لا يريد أنَّ"مِنْ لدن"متعلقٌ بالفعلين معاً من حيث صناعةُ الإِعراب بل يريد أن ذلك من بابِ الإِعمال فهي متعلقةٌ بهما من حيث المعنى"وهو معنى قولِ أبي البقاء أيضاً " ويجوز أن يكونَ مفعولاً ، والعاملُ فيه"فُصِّلَتْ"."