ولا بد من توازن هندسي لكل فتحة في البناء ؛ حتى لا تكون الفتحات التي في البناء متوازية على خط واحد ، فتحدث شروخ في الجدران أو انهيار البناء كله . هذا هو إحكام البناء في عالم المحسَّات .
وشاء الحق سبحانه أن يصف القرآن ، وهو الجامع لكل المنهج بأنه:
{كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ} [هود: 1] .
فخذوا من هذا الإحكام ما يمنع فسادكم ؛ لأن القرآن جاء على هيئة تمنع الفساد فيه ، وعقد منع الفساد يكون الإصلاح والصلاح .
ولو نظرتَ إلى أن القرآن الكريم في اللوح المحفوظ ستجده قد نزل جملة واحدة ، من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا ، وجاء الوحي بعد ذلك حسب الأحداث التي تتطلب الأحكام ، وقد نثر الحق سبحانه في القرآن أحكاماً وفصولاً ونجوماً .
إذن: فالقرآن قد أحكِم أولاً ، ثم فُصِّل .
ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى:
{كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ} [هود: 1] .
والفواصل الكبيرة في القرآن هي السور ، والفواصل الصغيرة هي الآيات ، وأراد المسلمون أن يشجعوا حفظ القرآن ، فقسموه إلى ثلاثن جزءاً ، وكل جزء قسموه إلى حزبين ، وكل حزب قسموه إلى أربعة أرباع ، لكن التفصيل الذي جاء لنا من القرآن أنه سور ، وكل سورة هي مجموعة من الآيات .
وقد يكون المعنى أن القرآن قد أحْكِمَ وفُصِّل ؛ لأنه نزل منهجاً جامعاً من الله سبحانه وتعالى .
وحين تنظر إليه تجده مُنَّوعاً ، فمرة يتكلم في العقيدة وقمتها ، ومرة يتكلم في النبوة وموكبها الرسالي ، والمعجزات ، ومرة يتكلم في الأحكام ، ومرة يتكلم في القصص ، والأخلاقيات ، والكونيات . ومرة يتكلم في علم الفرائض .
إذن: فهو مفصل في اللفظ أو في المعنى ، وهو يتناول معاني كثيرة ، وكل معنى تتطلبه العقيدة ، قمة في الشهادة بأن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ، ويتناول الجزئيات حتى أدق التفاصيل .