فالمخالفة كما يذكر الزمخشري تفيد الفرق بين نوعين من الشهادة: شهادة الله على براءته مما يشركون، وتلك شهادة صحيحة وشهادتهم، وتلك شهادة لافائدة منها إلا التهاون بهم، فلما وجد هذا الفرق المعنوي بين الشهادتين، وجب أن يوجد في الصياغة ضرب من المخالفة.
والفعل المضارع يدل على الحال أي على وقوع الحدث الآن، وهذه دلالته الأصيلة، ومن هنا كانت صيغته أقدر الصيغ على تصوير الأحداث؛ لأنها تحضر مشهد حدوثها، وكأن العين تراها وهي تقع، ولهذا الفعل مواقع جاذبة في كثير من الأساليب حين يقصد به إلى ذلك، وترى المتكلمين من ذوي الخبرة بأسرار الكلمات يعبرون به عن الأحداث الهامة التي يريدون إبرازها، وتقريرها في خيال السامع.
{هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْض (61) }
ومما هو بين فيه معنى الاختصاص قوله تعالى: {هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْض (61) }
أي لم ينشئكم منها إلا هو سبحانه.
{وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ (91) }
إذا كان الخبر اسم فاعل وشبهه مثل محمد كاتب: {وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ (91) }
فقد ذهب البعض إلى أنه مثل الخبر الفعلي، وذهب البعض إلى أنه ليس كذلك.
والذي نراه أن السياق ذو أثر فاعل في تحديد هذه الدلالات، وكان الزمخشري رحمه الله يقضي في هذا الأسلوب وفق السياق، فمرة يرى فيه الاختصاص كما في قوله تعالى حكاية لمقالة قوم شعيب له عليه السلام: {وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ} ، قال الزمخشري: أي لا تعز علينا، ولا تكرم حتى نكرمك من القتل، ونرفعك عن الرجم، وإنما يعز علينا رهطك؛ لأنهم أهل ديننا لم يختاروك علينا، ولم يتبعوك دوننا، وقد دل إيلاء ضميره حرف النفي على أن الكلام واقع في الفاعل لا في الفعل كأنه قيل: وما أنت علينا بعزيز بل رهطك هم الأعزة علينا، ولذلك قال في جوابهم: أرهطي أعز عليكم من الله، ولو قيل: وما عززت علينا لم يصح هذا الجواب.
وهذا واضح في أنه يقول بإفادة هذا التركيب لمعنى الاختصاص.
ويقول في قوله تعالى: {وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ} "هو بمنزلة قولهم: هم يفرشون اللبد كل طمرة في دلالته على قوة أمرهم، فيما أسند إليهم لا على الاختصاص".
الآية عند المعتزلة لا تفيد اختصاص الكافرين بعدم الخروج من النار أي بالخلود فيها؛ لأن مرتكب الكبيرة المسلم عندهم يخلد أيضا في النار.