انظر قوله: حزن مستعمل الكلام، وقوله: وركبن اللفظ القريب، ثم أن هذه البلاغة التي تصطنع الألفاظ المستعملة القريبة، تفضل شعر جرول ولبيد، وقد ناقش هذا الأصل بعض الدارسين ورفضواه، وذكروا أن الغرابة لا تخل بفصاحة الكلام، واستشهدوا بغريب الحديث وغريب القرآن، وليس هذا عندنا هو الوجه؛ لأن الغرابة التي ينبو عنها حسن البيان ليست هي التي تجدها في كلمة"ضيزى"في قوله تعالى: {تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى} ، كما أنها ليست الغرابة التي تجدها في بيان النبي عليه الصلاة، والسلام حين يخاطب الأقوام البادين؛ لأن سياقات حديثه الشريف، ومقاماته تقتضي مثل هذه الألفاظ التي لم تكن وحشية نافرة في مسامع المخاطبين، بل إنها كانت دوارة على ألسنتهم، وقد أكثر بشار من الغريب في القصيدة التي أحدثها في مسلم ابن قتيبة، فلما سأله أبو عمرو بن العلاء، وخلف الأحمر عن ذلك قال: بلغني أن سلما يتباصر بالغريب فأحببت أن أورد عليه ما لا يعرف، فهل أحب بشار أن يسقط فصاحته بين يدي مسلم بن قتيبة؟ وهل يسقط البلاغيون غريب بشار؟ وقد رأيت أبا تمام مع قرب ألفاظه يورد الغريب في بعض قصائده لمقتضيات بلاغية كالذي فعله في قصيدته التي يمدح بها عياش ابن لهيعة الحضرمي ومنها:
قد قلت لما اطلخم الأمر وانبعثت ... شعواء تالية غبسا دهاريسا
وقد جاء فيها:
أهيس أليس لجاء إلى همم ... تفرق الأسد في آذيها الليسا
والأليس: الشجاع، والليس: جمع أليس، والأهيس: الشديد الوطء ومنها:
مقابل في بني الأذواء منصبه ... عيصا فعيصا وقدموسا فقدموسا
والمقابل بفتح الباء: الكريم الأجداد من جهة أبيه ومن جهة أمه، وكأنه قوبل بينهما، والعيص: الشجر الملتف، وقد نقل إلى النسب، والقدموس: القديم والأذواء جمع القوم الذين يقول لهم ذو جدن، وذور رعين، وذو يزن، وهم أشراف اليمن وملوكها.
ومنها:
رموك قنعاس دهر حين يحزبه ... أمر يشاركه آباء قنا عيسا
والقنعاس: الجمل الشديد ثم نقل إلى الممدوح، ومنها:
وقدموا منك إن هم خاطبوا ذربا ... ورادسوا حضرمي الصخر رديسا
والذرابة الحدة، وقلما يقولون: رجل ذرب حتى يقولوا: ذرب اللسان، وأصل المرادسة الترامي بالصخر، يقال: ردست الصخرة بمثلها إذا رميتها، والمراديس صخرة تقذف في البئر ليعلم أفيها ماء لم لا؟ والحضارمة أهل غريب، وكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي العلاء الحضرمي من كتب الغريب.