أقول: وأصل جحد أن يتعدى بنفسه وأُجري مجرى كفر فتعدى بالباء في قوله (وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ) فضمن جحد معنى كفر فتعدى بالباء كما ضمن كفر معنى جحد فتعدى بنفسه.
الجحود بآيات اللَّه ومعصيته رسلَه، والدينونة للطواغيت، خروج من الإسلام إلى الشرك، لأن توحيد الربوبية هو توحيد الحاكمية الشاملة لكل شؤون الحياة، وحياة البشرية لا تصلح إلا بهذا التوحيد.
أما العبادة بمفهوم تأدية الشعائر التعبدية فقط، فمفهوم حسير النظر، ناقص التكوين.
و (عبد) معناه (دان وخضع وذلّ) فالعبودية هي الدينونة الشاملة لله وحده
في شؤون الدنيا والآخرة ... وعادٌ كفرت ربها حين جحدت هذه الدينونة.
والدينونة لله وحده بلا شريك، ونبذُها لأحد من خلقه يفاصل المؤمنون بها المشركين، وهذه المفاصلة يجب أن تتم منذ اللحظة الأولى، ولقد يبطئ الفصل وتكثر التضحيات، ولكن وعد اللَّه لا شك آتٍ، وعلى العصبة المسلمة أن تمضي في طريقها، مستيقنة أن سنة اللَّه جارية وأن العاقبة للتقوى.
القرآن يتنزل على رسوله - صلى الله عليه وسلم - ومعه القلة المؤمنة، يريهم معالمه في مراحله جميعا، ويأخذ بأيديهم، وينقل خطاهم بموكب الدعوة على مدار التاريخ، وبات مأنوساً مألوفاً، لا موحشاً ولا مَخُوفاً، إنهم زمرة في موكب موصول، وليسوا مجموعة شاردة في تِيهٍ مقطوع، يمضون من نقطة البدء إلى الختام وفق سنة جارية.
هذا القرآن لا يفتح أسراره إلا للعصبة المسلمة التي تتحرك به لتحقيق مدلوله في عالم الواقع، لا لمن يقرؤه للتبرك أو للدراسة والاستمتاع.
إنه يتنزل ليكون مادة حركة وتوجيه، الذين يواجهون الجاهلية ويجاهدون البشرية الضالة ويكافحون الطاغوت هم وحدهم يفقهون هذا القرآن، ويتذوقون ما تعنيه نصوصه لأنهم يجدونها ممثلة في أحداث ووقائع، فالبشرية اليوم لا تصلح ولا ترتفع إلا بهذا التوحيد.
(فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ(63)
رجّح العكبري: (غير تخسير) الأقوى في المعنى أن يكون (غير) هنا استثناء في المعنى وهو مفعول ثانٍ لتزيدونني أي: فما تزيدونني إلا تخسيرا.
ويضعف أن تكون صفة لمحذوف في تزيدونني شيئا غير تخسير وهو ضد المعنى.