أنشأهم الله من الأرض ، ووظفهم فِي عمرانها ، وكلفهم بعبادته فيها حينا من الدهر ، ثم يعودون بعدئذ إليه ليسألهم عما قدموا..
ونحن نعلن دهشتنا لفريقين من الناس يملآن الأرض الآن: فريق لا يحسن تعمير الأرض ويعيش فيها مع الهمل ويزعم أنه مؤمن!. وفريق استثار الأرض وامتلكها وغزا بعدها الفضاء ، وصلته بالله صفر أو فوق ذلك بقليل.. وثمود كانوا أشبه بالنوع الثاني ، وقال لهم نبيهم صالح:"واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد وبوأكم في الأرض تتخذون من سهولها قصورا وتنحتون الجبال بيوتا فاذكروا آلاء الله ولا تعثوا في الأرض مفسدين". ولكن ثمود أعماها الطغيان والكبر فلم تشكر نعمة ولم ترع لله حقا:"فلما جاء أمرنا نجينا صالحا والذين آمنوا معه برحمة منا ومن خزي يومئذ إن ربك هو القوي العزيز". وجاءت مدين بعد ثمود ، فجمعت فِي حياتها بين الفساد السياسى والفساد الاقتصادى. وقد رأينا فِي سورة الأعراف أن الحرب المعلنة على الفساد السياسى كانت أبرز ، أما فِي هود فإن التنديد بالعوج الاقتصادى كان أبرز. فِي السورة الأولى طلب الله من أهل مدين أن يصبروا على الرأي الآخر ، وأن ينظروا فِي أدلته ، وألا يتوعدوا أصحابه:"ولا تقعدوا بكل صراط توعدون وتصدون عن سبيل الله من آمن به وتبغونها عوجا واذكروا إذ كنتم قليلا فكثركم وانظروا كيف كان عاقبة المفسدين". لقد أنقسم الناس أمام دعوة شعيب قسمين: منهم من اقتنع بها ودخل فيها ، ومنهم من رفضها وخاصم أصحابها. ليكن!! دعوا الزمن يفصل فِي هذه القضية ، ويحق الحق ويبطل الباطل ، ولا تهددوا أنتم المؤمنين بالنفى والتشريد ، وترغموهم على ترك ما آمنوا به:"وإن كان طائفة منكم آمنوا بالذي أرسلت به وطائفة لم يؤمنوا فاصبروا حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين". ولكن مدين آثرت الاستبداد الأعمى ، والفتنة الغبية:"قال الملأ الذين استكبروا من قومه لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن في"