وعلى الوجه الأول: {لَكُمْ} حال من {آيَةً} لتقدمه عليها، إذ لو تأخر لكان وصفًا لها، وقد ذكر نظير هذا فيما سلف من الكتاب في غير موضع.
وقوله: {وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ} أي: قريب من عقرها، لا يستأخر عن مسكم لها بسوء إلّا يسيرًا، وذلك ثلاثة أيام ثم يقع عليكم.
{فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ (65) } :
قوله عز وجل: {تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ} (ثلاثة) ظرف للتمتع، أي: استمتعوا بالعيش في منازلكم وبلدكم.
وقوله: {ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ} قيل: غير مكذوب فيه، فاتّسع في الظرف بحذف الحرف وإجرائه مجرى المفعول به، كقوله:
303 -ويومٍ شَهِدْناهُ سُلَيمًا ...
أي: شهدنا فيه.
وقيل: المكذوب: مصدر كالمعقول والمجلود، أي: وعد غير كذب، وقيل: هو مفعول بمعنى الفاعل، كقوله تعالى: إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ
مَأْتِيًّا، أي: آتيًا.
{فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (66) } :
قوله عز وجل: {وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ} قرئ: بكسر الميم على أن يومًا معرب أضيف إليه الخزي، فانْجَرَّ بالإضافة إجراء له مجرى سائر الأسماء اتساعًا فيه، كما اتسع في قوله عز وعلا: {بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ} ، فأضيف المكر إليهما كما ترى، وإنما هو فيهما، فكذلك الخزي أضيف إلى اليوم وهو فيه من جهة المعنى.
وقرئ: بفتحها على أنه مبني؛ لأنه مضاف إلى إذ، وهو غير متمكن فبني لذلك، كقوله:
304 -على حِينَ عاتبتُ المشيبَ على الصِّبا ...
والتنوين فيه عوض عن جملة محذوفة.
و (من خزي يومئذ) : عطف على {نَجَّيْنَا} أي: ونجيناهم من خزي ذلك اليوم، وهو الفضيحة والعار والذل.
{وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (67) } :