ولا يجوز أن ترفع {مَجْرَاهَا} بالظرف وتجعل الظرف حالًا من الواو في {ارْكَبُوا} كما زعم بعضهم، كما تجعله حالًا إذا لم ترفع به؛ لأنه لا ذكر فيه يرجع منها إلى ذي الحال، كما كان فيه في الوجه الأول، فاعرفه فإن فيه أدنى غموض.
فموضع {مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا} نصب على الظرف على الوجه الأول، وعاملهما ما في {بِسْمِ اللَّهِ} من معنى الفعل، وقد ذكر آنفًا، وعلى الوجه الثاني: موضعهما رفع إمّا بالابتداء، أو بالظرف.
والمُجرى والمُرسى - بضم الميم فيهما - من أجرى وأرسى، وقرئ أيضًا: بالفتح فيهما من جرى ورسا، وهما أيضًا يصلحان أن يكونا مصدرين، وأن يكونا وقتين، وأن يكونا مكانين، والتقدير فيهن على ما ذكر قبيل.
وقرئ: (مُجرِيها ومُرسِيها) بضم الميم فيهما وكسر الراء والسين مع ياء بعدهما، وهما اسما الفاعلين من أجرى وأرسى. ومحلهما إما الجر على النعت لاسم الله سبحانه وتعالى، أو الرفع على إضمار مبتدأ، أي: هو مجريها ومرسيها.
وأجاز أبو إسحاق: (مجريَها ومرسيَها) منصوبين إمَّا على الحال من اسم الله تعالى بمعنى التقدير، كقوله: {فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ} ، أي: اركبوا فيها مسمين الله مجريًا لها ومرسيًا لها، كقولك: مررت بزيد ضاربها، أو على المدح، ولا ينبغي لأحد أن يقرأ به؛ لأنه لم يثبت به رواية، والقراءة سُنَّةٌ متبعة يأخذها الخلف عن السلف، رحمة الله عليهم أجمعين.
وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي
مَعْزِلٍ يَابُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ (42) :
قوله عز وجل: {وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ} قيل: متصل بمحذوف، كأنه قيل: فركبوا فيها يقولون: بسم الله وهي تجري.
و {بِهِمْ} في موضع الحال من المنوي في {تَجْرِي} ، أي: تجري وهم فيها، كقولك: جرى بي الفرس، أي: جرى وأنا عليه.
وقوله: {كَالْجِبَالِ} : الكاف في موضع جر على النعت لموج. والموج: جمع موجة، وهي حركة الماء الكثير بدخول الرياح الشديدة في خلاله. {كَالْجِبَالِ} في عظمه وارتفاعه على الماء.
وقوله: {وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ} فيه خمس قراءات: