إن هذا أحبتي في الله يعطينا ملامح الطريق من بعيد، لينصر الله اثني عشر رجلاً من المسلمين، إذاً إسلامهم هذا إسلامٌ يرضي الله، إيمانٌ رضي الله عنه فنصره الله، وأعزه الله فيهم وبهم، ومهما طال الأمد فلا نيأس ستأتي النجاة إن شاء الله، ستأتي النجاة وتأتي النصرة، وربما بل غالباً من حيث لا نحتسب، كل أهل التحليل السياسي والتعليق السياسي وغير ذلك يقرءون ملامح الأمر وملامح المشهد الحالي فيتوقعون كذا وكذا وكذا وكذا، ولكن جاء الله بالنصرة بواسطة سفينة صُنعت في وسط الرمال ولا ماء حولها، من حيث لا نحتسب، وهذا شأن الله دائماً، ولابد أن يفعل هذا لأنه إله يأتي بشيء من غير حسبان البشر، فنصر الله هذه الفئة القليلة جداً، المعزولة وبدون مواجهة، لم يحملوا سلاحاً ولم يواجهوا عدواً وإنما رفعهم الله تعالى في الفلك"وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ" [هود: 42] ولا يخشون شيئاً، ولا تتلاطمهم الأمواج، وإنما أهلكت الأمواج من تعرفه مستحقاً لذلك، لأنها أمواجٌ مأمورة من قبل الله تبارك وتعالى فأخذت الكافرين جميعاً، وأراد الله تعالى وحقق إرادته أن تكون هذه القلة هي صاحبة الاستخلاف في الأرض وهي الدولة الباقية، بل بذرة البشرية كلها من بعدها، نحن الآن من ذرية هذه الفئة المؤمنة القليلة، كل الدنيا الآن حتى بحيواناتها بحشراتها بنباتاتها الكل؛ لأن الله أوحى إلى نوح"قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ" [هود: 40] أي من كل شيء زوجين اثنين ذكراً وأنثى، ومن بعد الطوفان تناسلت الحياة والأحياء من جديد، من بذور صالحة، من بذور إيمانية، من بذور عرفت ربها وخالقها سبحانه وتعالى.
إن هذا الموقف ليملأ القلب بالأمل مهما كان الواقع سيئاً شديدًا على القلب، مهما كان المستقبل مظلماً حسب القراءات البشرية، لكن بقراءة وحي الله وبفعل قدر الله في الأمم السابقة نأخذ أملاً جديداً لا تراه العيون، ولا تصل إليه الخيالات، من كان يصدق أن قوم نوحٍ في تلك الصحراء العريضة يركبون سفينةً في ماء وينجون بها من الظالمين؟! إنه قدر رب العالمين.