وقوله: {وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} قرئ: (ولا تتبعانّ) بتشديد النون، وهي نون التأكيد دخلت على النهي، والفعل مبني معها، وحَذْفُ النونِ التي هي علم للرفع في فعل الاثنين كحذف الضمة التي هي علم للرفع في فعل الواحد، وكسرت النون لوقوعها بعد ألف التثنية تشبيهًا بها، أعني نون التأكيد بنون التثنية، وشبهها بها في كونها مزيدة مثلها وداخلة لمعنىً كدخولها.
وقرئ: (ولا تتبعانِ) بتخفيف النون مع كسرها، وفيه ثلاثة أوجه:
أحدهما: أن الفعل معرب مرفوع، والنون علم الرفع، ولفظه لفظ الخبر ومعناه النهي، كقوله: (لا تُضارُّ والدة بولدها) على قراءة أبي عمرو، وابن كثير. ولك أن تجعله حالًا من الضمير في (استقيما) ، أي: استقيما غير متَّبعين طريق الجهلة.
والثاني: أنه مبني والنون نون التأكيد الداخلة على النهي، كما هي في قراءة الجماعة إلّا أنه استثقل التضعيف فخففت بحذف إحدى النونين وهي الأولى دون الثانية، فإن قلت: لم حذفت الأولى دون الثانية؟ قيل: لأنك لو حذفت الثانية التقى ساكنان، فكنت تحتاج إلى الحذف أو التحريك، فلذلك حذفت الأولى دون الثانية.
وإلثالث: أنه مبني والنون نون التأكيد الخفيفة، وكسرها لالتقاء الساكنين تشبيهًا بنون التثنية، وهو مذهب يونس.
والذي جوز ذلك ما في الألف من فرط مَدٍّ، والمد يقوم مقام الحركة، وأَبَى ذلك صاحب الكتاب وشيخه الخليل وذلك أن فعل الاثنين إذا أسقطت منه التي هي علم الرفع لأجل النهي، وجيء بالنون الخفيفة لم يخل من ثلاثة أوجه:
إمَّا أن تكسر لالتقاء الساكنين، أو تحذف الألف، أو تُقَرَّ النونُ ساكنة، فالأول لا يجوز؛ لأنه لا يعلم حينئذ نون إعراب هي أم نون تأكيد، والثاني: ممنوع لأجل التباس فعل الاثنين بفعل الواحد، والثالث: مردودٌ؛ لأنهم لا يجمعون بين ساكنين مظهرين في الإِدراج، وإنما يكون ذلك إذا كان الثاني منهما مدغمًا نحو: دَابَّة، ومُدَيْق.
وأجاز ذلك يونس، وَوَجْهُهُ ما ذكرتُ آنفًا، فاعرفه فإنه من كلام المحققين من أصحابنا، والله أعلم.
وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا