قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ بِالصِّحَّةِ: الْقَوْلُ الَّذِي ذُكِرَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مِنْ أَنَّ كُلَّ مَالٍ أَدَّيْتَ زَكَاتَهُ فَلَيْسَ بِكَنْزٍ يَحْرُمُ عَلَى صَاحِبِهِ اكْتِنَازُهُ وَإِنْ كَثُرَ، وَأَنَّ كُلَّ مَا لَمْ تُؤَدِّ زَكَاتَهُ فَصَاحِبُهُ مُعَاقَبٌ مُسْتَحِقٌّ وَعِيدَ اللَّهِ إِلَّا أَنْ يَتَفَضَّلَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِعَفْوِهِ وَإِنْ قُلْ إِذَا كَانَ مِمَّا يَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ. وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ أَوْجَبَ فِي خَمْسِ أَوَاقٍ مِنَ الْوَرِقِ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ رُبُعَ عُشْرِهَا، وَفِي عِشْرِينَ مِثْقَالًا مِنَ الذَّهَبِ مِثْلَ ذَلِكَ رُبُعَ عُشْرِهَا. فَإِذْ كَانَ ذَلِكَ فَرْضَ اللَّهِ فِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ، فَمَعْلُومٌ أَنَّ الْكَثِيرَ مِنَ الْمَالِ وَإِنْ بَلَغَ فِي الْكَثْرَةِ أُلُوفَ أُلُوفٍ لَوْ كَانَ، وَإِنْ أَدَّيْتَ زَكَاتَهُ مِنَ الْكُنُوزِ الَّتِي أَوْعَدَ اللَّهُ أَهْلَهَا عَلَيْهَا الْعِقَابَ، لَمْ يَكُنْ فِيهِ الزَّكَاةُ الَّتِي ذَكَرْنَا مِنْ رُبُعِ الْعُشْرِ؛ لِأَنَّ مَا كَانَ فَرْضًا إِخْرَاجُ جَمِيعِهِ مِنَ الْمَالِ وَحَرَامٌ اتِّخَاذُهُ فَزَكَاتُهُ الْخُرُوجُ مِنْ جَمِيعِهِ إِلَى أَهْلِهِ لَا رُبُعُ عُشْرِهِ، وَذَلِكَ مِثْلُ الْمَالِ الْمَغْصُوبِ الَّذِي هُوَ حَرَامٌ عَلَى الْغَاصِبِ إِمْسَاكُهُ وَفَرْضٌ عَلَيْهِ إِخْرَاجُهُ مِنْ يَدِهِ إِلَى يَدِهِ، فَالتَّطَهُّرُ مِنْهُ رَدُّهُ إِلَى صَاحِبِهِ. فَلَوْ كَانَ مَا زَادَ مِنَ الْمَالِ عَلَى أَرْبَعَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ، أَوْ مَا فَضُلَ عَنْ حَاجَةِ رَبِّهِ الَّتِي لَا بُدَّ مِنْهَا مِمَّا يَسْتَحِقُّ صَاحِبُهُ بِاقْتِنَائِهِ إِذَا أَدَّى إِلَى أَهْلِ السُّهْمَانِ حُقُوقَهُمْ مِنْهَا مِنَ الصَّدَقَةِ وَعِيدَ اللَّهِ لَمْ يَكُنِ اللَّازِمُ رَبِّهِ فِيهِ رُبُعَ عُشْرِهِ، بَلْ كَانَ اللَّازِمُ لَهُ الْخُرُوجَ مِنْ جَمِيعِهِ إِلَى أَهْلِهِ وَصَرْفِهِ فِيمَا يَجِبُ عَلَيْهِ صَرْفُهُ، كَالَّذِي ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّ الْوَاجِبَ عَلَى غَاصِبِ رَجُلٍ مَالَهُ رَدُّهُ عَلَى رَبِّهِ.