ونحو ذلك فالحرم الإلهي حرام على هذا وهيهات هيهات أن يلج الملكوت أو لج الجمل في سم الخياط ، وقال بعض العارفين: من فقد طهارة الإسراء بماء التوحيد وبقي في قاذورات الظنون والأوهام فذلك هو المشرك وهو ممنوع عن قربان المساجد التي هي مشاهد القرب.
وفي الآية إشارة إلى منع الاختلاط مع المشركين ، وقاس الصوفية أهل الدنيا بهم ، ومن هنا قال الجنيد: الصوفية أهل غيب لا يدخل فيهم غيرهم.
وقال بعضهم: من بقي في قلبه نظر إلى غير خالقه لا يجوز أن يدنو إلى مجالس الأولياء غير مستشف بهم فإن صحبته تشوش خواطرهم وينجس بنفسه أنفاسهم ، وصحبة المنكر على أولياء الله تعالى تورث فتقا يصعب على الخياط رتقه وتؤثر خرقا يعيي الواعظ رقعه ، ومن الغريب ما يحكى أن الجنيد قدس سره جلس يوماً مع خاصة أصحابه وقد أغلق باب المجلس حذراً من الأغيار وشرعوا يذكرون الله تعالى فلم يتم لهم الحضور ولافتح لهم باب التجلي الذي يعهدونه عند الذكر فتعجبوا من ذلك فقال الجنيد.
هل معكم منكر حرمنا بسببه؟ فقالوا: لا.
ثم اجتهدوا في معرفة المانع فلم يجدوا الا نعلا لمنكر فقال الجنيد: من هنا أوتينا ، فانظر يرحمك الله تعالى إذا كان هذا حال نعل المنكر فما ظنك به إذا حضر بلحيته؟
ثم إنه سبحانه ذم أهل الكتابين بالاحتجاب عن رؤية الحق سبحانه حيث قال جل شأنه:
{اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أَرْبَاباً مّن دُونِ الله} [التوبة: 31] وفيه إشارة إلى ذم التقليد الصرف وذم البخلاء بقوله سبحانه: {والذين يَكْنِزُونَ الذهب والفضة} [التوبة: 34] الآية ، ولعمري انهم أحقاء بالذم ، وقد قال بعضهم: من بخل بالقليل من ملكه فقد سد على نفسه باب نجاته وفتح عليها طريق هلاكه.
ولا يخفى أن جمع المال وكنزه وعدم الإنفاق لا يكون الا لاستحكام رذيلة الشح وكل رذيلة كية يعذب بها صاحبها في الآخرة ويخزى بها في الدنيا.