الاجتماعيّ الدويّ , وما علاجه إلا الدين الإسلامي الذي يفرض الزكاة ويحث على
المواساة ويفرض على الآخذين به أن يرضوا بما قسم الله لهم بعد السعي بحسب
الطاقة.
(2) إن فضلاء الأوربيين وعقلاءهم الذين لم ينسلخوا من مزايا
الإنسانية الجميلة ولم يُحرموا من الشفقة والرأفة على أبناء جنسهم بالمرة , قد
خصصوا جزءًا من أموالهم لبناء المستشفيات لمعالجة مرضى الفقراء ولغير
ذلك من أعمال البر، ولولا هؤلاء لكانت المدنية الأوروبية شر مدنية أخرجت
للناس، ولكان غلو الاشتراكيين والفوضويين تجاوز الحدود فدمرها شر
تدمير وجعل مصيرها بئس المصير، وإننا نرى اللابسين لباس المدنية
الأوروبية من المسلمين لا يبذلون شيئًا من فضول أموالهم على أعمال البر
التي ينفق عليها الأوروبيون كالمستشفيات والمدارس والمكاتب وتنشيط المخترعين
والمكتشفين، حرموا فضائل المشرقين واستأثروا برذائل المغربين وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ
عَلَى شَيْءٍ أَلاَ إِنَّهُمْ هُمُ الكَاذِبُونَ (المجادلة: 18) .
(3) إذا كان السويليون من الإفرنج يقبّحون إيتاء الفقراء والمساكين العاجزين
عن كسب يكفيهم، فلا ينبغي أن يلتفت إلى قولهم؛ لأن احتجاجهم بتعليم الناس
البطالة والكسل إنما يأتي إذا كانت الشريعة تعطي من يقدر على الكسب ولا يكتسب
إخلادًا إلى الكسل والبطالة واعتمادًا على أوساخ الناس، ولكن الشريعة تمنع إعطاء
مثل هذا كما تمنع إعطاء العاجز فوق كفايته، وتسمي مَن يقدر على كسب يكفيه
غنيًّا، ولذلك قال الإمام الغزالي كغيره:(وقد لا يملك إلا فأسًا وحبلاً وهو
غني). وجعلت أيضًا في حكم الغني كل فقيرعاجز له قريب يمونه وينفق عليه،
ومع هذا كله حرمت السؤال والشحاذة على غير المضطر واعتبرت أموال الزكاة
والصدقات من أوساخ الناس، وقال النبي عليه الصلاة والسلام: اليد العليا خير
من اليد السفلى.
فقد رأيتَ أن هذا الدين القويم فرض للفقراء والمساكين ما فرض من مال الزكاة
مع أشد الاحتراس من مضار اعتماد الإنسان على غير كسبه ونتائج عمله، ومن ذلك
أنها حرمت الصدقة على آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنهم ينبغي أن يكونوا