وما هي إلا العشر أو ربع العشر مما أنعم الله تعالى به عليه، ثم يدّعي مع هذا كله
أنه مؤمن جازم بوعد الله تعالى ووعيده - فهو مكابر للوجدان، معتقد أن الإيمان
كلمات تدور على أطراف اللسان.
استفتِ قلبك أيها المغرور المخدوع، حاسب نفسك على أعمالك التي تأتيها كل
يوم تجد أنك تبذل المال لجلب المنافع أو درء المضار المظنونة التي لا توقن
بوقوعها إذا أنت لم تبذل فكيف يسلم العقل أن الظن يبعث على العمل ولا يبعث عليه
اليقين وهو ما تدعيه في إيمانك، ذلك شأنك في كسبك من زراعة أو تجارة أو
صناعة وفي دفع الأذى عن نفسك , وهذا شأنك في دينك وإيمانك، فهل بلغت شهوة
إمساك المال معك إلى حد انطفأ به نور الفطرة وخزيت الإنسانية، وذهبت حرمة
الدين وما جاء به من الوعد والوعيد؟!
استفت قلبك وراجع وجدانك وحاسب نفسك، إذا قال لك فاسق لا ثقة بشهادته:
إن هذا الطعام أو الشراب الذي تريد أن تتناوله مسموم، وإن هذه المرأة التي ترغب
مواقعتها مصابة بالزهري، أرأيتك تترك شهوتك لقوله أم لا؟ إنك لتتركها ولو على
سبيل الاحتياط ولا تقدم عليها إلا إذا كنت جازمًا بكذبه، وأنه لا يصيبك أذى لأن
تقديم درء المفاسد على جلب المنافع من الأمور الطبيعية كما هو من الأصول
الشرعية، فكيف تجعل وعد الله ووعيده دون خبر ذلك الفاسق فلا تحتاط له؟
وتدّعي أنك موقن بهما لا شك عندك ولا ارتياب.
استفت قلبك وراجع وجدانك ولا يحملنك ثقل وقع الحق على نفسك أن تضع
أصبعيك على أذنيك وتُسدل الستار على عينيك، فتكون ممن قال الله تعالى فيهم:
{صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ} (البقرة: 18) بل ارجع عن شحك: وَمَن
يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ (الحشر: 9) ولا تُسلِّ نفسك بأن في هذا
الكلام تكفيرًا للمسلمين، وأن من كفّر مؤمنًا كفر، فتتوهم أن هذه النصيحة المقتبسة
من نور كتاب الله تعالى عادت على من قدمها إليك بالتكفير أو التفسيق، فينعم بالك
ويهنأ عيشك ويسلم لك مالك كله لا ينال فقير منه درهمًا ولا دينارًا، فإن بحثنا هذا
بحث في روح الدين وجسمه معًا، ومن أظهر الإذعان للإسلام لا يحكم عليه بالكفر