فَإِنْ قِيلَ: الْحُلِيُّ كَالنُّقُرِ الْعَوَامِلِ وَثِيَابِ الْبِذْلَةِ.
قِيلَ لَهُ: قَدْ بَيَّنَّا أَنَّ مَا عَدَاهُمَا يَتَعَلَّقُ وُجُوبُ الزَّكَاةِ فِيهِمَا بِأَنْ يَكُونَ مُرْصَدًا لِلنَّمَاءِ ، فَمَا لَمْ يُوجَدْ هَذَا الْمَعْنَى لَمْ تَجِبْ ، وَالذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ لِأَعْيَانِهِمَا بِدَلَالَةِ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ ، وَالنُّقَرُ وَالسَّبَائِكُ إذَا أَرَادَ بِهِمَا الْقُنْيَةَ وَالتَّبْقِيَةَ لَا طَلَبَ النَّمَاءِ.
وَأَيْضًا لَمَّا
لَمْ يَكُنْ لِلصَّنْعَةِ تَأْثِيرٌ فِيهِمَا ، وَلَمْ يُغَيِّرْ حُكْمَهُمَا فِي حَالٍ وَجَبَ أَنْ لَا يَخْتَلِفَ الْحُكْمُ بِوُجُودِ الصَّنْعَةِ وَعَدَمِهَا.
فَإِنْ قِيلَ زَكَاةُ الْحُلِيِّ عَارِيَّتُهُ.
قِيلَ لَهُ: هَذَا غَلَطٌ ؛ لِأَنَّ الْعَارِيَّةَ غَيْرُ وَاجِبَةٍ ، وَالزَّكَاةُ وَاجِبَةٌ ، فَبَطَلِ أَنْ تَكُونَ الْعَارِيَّةُ زَكَاةً.
وَأَمَّا قَوْلُ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: إنَّ الزَّكَاةَ تَجِبُ فِي الْحُلِيِّ مَرَّةً وَاحِدَةً فَلَا وَجْهَ لَهُ ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ مِنْ جِنْسِ مَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ وَجَبَتْ فِي كُلِّ حَوَلٍ.
فَصْلٌ وَقَدْ دَلَّتْ الْآيَةُ عَلَى وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ بِمَجْمُوعِهِمَا ، فَاقْتَضَى ذَلِكَ وُجُوبَ ضَمِّ بَعْضِهَا إلَى بَعْضٍ.
وَقَدْ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي ذَلِكَ ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا: {يُضَمُّ أَحَدُهُمَا إلَى الْآخَرِ فَإِذَا كَمُلَ النِّصَابُ بِهَا زُكِّيَ} .
وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي كَيْفِيَّتِهِ ، فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: {يُضَمُّ بِالْقِيمَةِ كَالْعُرُوضِ} .
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: {يُضَمُّ بِالْأَجْزَاءِ} .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى وَالشَّافِعِيُّ: {لَا يُضَمَّانِ} .