لكي يذكروا النكال فلا ينقضوا العهد، وكذلك كل مرغوب في الدنيا ومرهوب جعل دواعي وزواجر لموعود في الآخرة، وجعل كل لذيذ وشهي في الدنيا لما وعد في الآخرة في الجنة، وكل كريه وقبيح زاجرًا له عن الموعود في الآخرة في النار؛ على هذا بناء أمر الدنيا.
والتشريد: قال أبو عبيدة: معناه من التفرقة، أي: فرق بهم.
وقَالَ الْقُتَبِيُّ: قوله: (فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ) أي: افعل بهم فعلا من العقوبة والتنكيل يتفرق به من وراءهم من الأعداء.
قال: ويقال: شرد بهم: سمع بهم، بلغة قريش.
وقيل: نكلهم، أي: اجعلهم عظة لمن وراءهم وعبرة، وهو ما ذكرنا.
وقال أَبُو عَوْسَجَةَ: التنكيل: التخويف والرد عما يكره، والنكال: العذاب.
وقال غيره: (فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ) ، أي: اخلفهم بهم بما صنع هَؤُلَاءِ.
وقال أبو عبيدة: التشريد في الكلام: التبديد والتفريق؛ وبعضه قريب من بعض.
قال أَبُو عَوْسَجَةَ: قوله: (فَشَرِّدْ بِهِمْ) ، أي: نكل بهم حتى يخافك من خلفهم، والشريد: الطريد، والشريد - أيضًا -: القليل.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ(58)
قَالَ بَعْضُهُمْ: قوله تخافن: تعلمن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء.
أي: لا تفعل بهم مثل ما فعلوا من الخيانة فتكون أنت وهم في الخيانة سواء؛ لأن عندهم أنكم معاهدون على عهد بعد عهد، ولكن انبذ إليهم، ثم ناصب فيما بينهم الحرب.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: هو على حقيقة الخوف، يقول: إذا خفت منهم النقض أو الخيانة (فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ) ، أي: ألق إليهم نقضك؛ لتكون أنت وهم في العلم بالنقض سواء.
قال أبو عبيدة: قوله: (فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ) ، أي: أظهر لهم أنك عدو، وأنك مناصب لهم؛ حتى يعلموا ذلك فيصيروا على ذلك سواء.