وَكَانَ آخَرُونَ يَقُولُونَ: مَعْنَاهُ الْوَسَطُ، مِنْ قَوْلِ حَسَّانَ:
[البحر الكامل]
يَا وَيْحَ أَنْصَارِ الرَّسُولِ وَرَهْطِهِ ... بَعْدَ الْمُغَيَّبِ فِي سَوَاءِ الْمُلْحَدِ
بِمَعْنَى فِي وَسَطِ اللَّحْدِ.
وَكَذَلِكَ هَذِهِ الْمَعَانِي مُتَقَارِبَةٌ؛ لِأَنَّ الْعَدْلَ وَسَطٌ لَا يَعْلُو فَوْقَ الْحَقِّ
وَلَا يَقْصُرُ عَنْهُ، وَكَذَلِكَ الْوَسَطُ عَدْلٌ، وَاسْتِوَاءُ الْفَرِيقَيْنِ فِيمَا عَلَيْهِ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ بَعْضَ الْمُهَادَنَةِ عَدْلٌ مِنَ الْفِعْلِ وَوَسَطٌ.
وَأَمَّا الَّذِي قَالَهُ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ مِنْ أَنَّ مَعْنَاهُ الْمَهَلُ، فَمَا لَا أَعْلَمُ لَهُ وَجْهًا فِي كَلَامِ الْعَرَبِ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ (59) }
اخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ، فَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْحِجَازِ وَالْعِرَاقِ: (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ) بِكَسْرِ الْأَلْفِ مِنْ إِنَّهُمْ وَبِالتَّاءِ فِي تَحْسَبَنَّ بِمَعْنَى: وَلَا تَحْسَبَنَّ يَا مُحَمَّدُ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُونَا فَفَاتُونَا بِأَنْفُسِهِمْ. ثُمَّ ابْتُدِئَ الْخَبَرُ عَنْ قُدْرَةِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، فَقِيلَ: إِنَّ هَؤُلَاءِ الْكَفَرَةَ لَا يُعْجِزُونَ رَبَّهُمْ إِذَا طَلَبَهُمْ وَأَرَادَ تَعْذِيبَهُمْ وَإِهْلَاكَهُمْ بِأَنْفُسِهِمْ فَيَفُوتُوهُ بِهَا.
وَقَرَأَ ذَلِكَ بَعْضُ قُرَّاءِ الْمَدِينَةِ وَالْكُوفَةِ: {وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا} بِالْيَاءِ فِي يَحْسَبَنَّ، وَكَسْرِ الْأَلْفِ مِنْ إِنَّهُمْ، وَهِيَ قِرَاءَةٌ غَيْرُ حَمِيدَةٍ لِمَعْنَيَيْنِ: أَحَدُهُمَا خُرُوجُهُمَا مِنْ قِرَاءَةِ الْقُرَّاءِ وَشُذُوذُهَا عَنْهَا، وَالْآخَرُ بُعْدُهَا مِنْ فَصِيحِ كَلَامِ الْعَرَبِ، وَذَلِكَ أَنَّ يَحْسِبُ يَطْلُبُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ مَنْصُوبًا وَخَبَرَهُ، كَقَوْلِهِ: عَبْدُ اللَّهِ يَحْسِبُ أَخَاكَ قَائِمًا وَيَقُومُ وَقَامَ، فَقَارِئُ هَذِهِ الْقِرَاءَةِ أَصْحَبَ